البيان الاول للملحدين المصريين

ليس للملحدين رب او إله يتعبدون له و يقدمون له الذبائح و البخور ..

ليس للملحدين رب و لكن لهم أخلاق و ضمير و منهم الصالحين النافعين.

ليس للملحدين رب لكنهم يحترمون العديد من القيم و المبادئ و الأشخاص ..

ليس للملحدين رب لكنهم ليسوا بلا دين بالضرورة.

الملحدين شخصيات مثقفة, يتبعون القوانين و النظريات العلمية و مواطنين صالحين و أب و أم فاضلين. أما الأديان أو الفلسفات الملحدة فكثيرة منها الماركسية و البوذية و الإنسانية و الوجودية و غيرها. و من الملحدين من لا يتبع أديانا أو فلسفات محددة, و رغم ذلك يتفق معظم الملحدين على بعض الأفكار و القيم و المعايير الأخلاقية.

لذلك و توضيحا لمواقف الملحدين من الأديان و الآلهة و الاخلاق و الجنس و الحياة و العلم و الفلسفة تم صياغة هذا البيان لكي يكون لسان حال الملحدين المصريين و معبرا عنهم.

الأديان :

-         الملحد يعتقد ان الرؤى التقليدية لوجود إله هي إما بلا معنى أو لم يتم البرهنة على أنها حقيقية أو هي مستغلة بشكل إستبدادي. فنظرية وجود إله لا يمكن أن تعني بان يتحكم قلة من رجال الدين في المعايير الأخلاقية و الأفكار النظرية لأمم بأكملها. الملحدون يعتقدون ان الادلة لا تكفي من أجل إثبات الإدعاء بان هناك غاية إلهية موجودة في الكون. هم يرفضون فكرة أن الإله يطرأ بشكل خارق في التاريخ أو يكشف نفسه لقلة مختارة أو أنه يستطيع أن ينقذ أو يحرر الخطاة. هم يؤمنون أن الرجال و النساء هم احرار و مسئولين عن أقدارهم و انهم لا يستطيعوا التوجه إلي كائنات فائقة للطبيعة من أجل الخلاص. الملحد يرفض ألوهية المسيح و يرفض المهام الإلهية لموسى و محمد و أنبياء آخرون احدث عهدا و يرفض القديسين لكافة الفرق و الطوائف. الملحد لا يقبل التفسير الحرفي للتوراة و الإنجيل و القرآن أو أي كتب مقدسة أخرى مزعومة, مهما كانوا مهمين كأدب.

-         الأديان التي تدعو للعبودية لآلهة خرافية هي أديان رجعية فضلا عن أنها تتعارض مع العقل السليم و النظريات العلمية و لذلك يرفض الملحد كل تلك الأديان و يبحث عن حقيقة وجوده و معنى لحياته بعيدا عنها. أما الأديان التي تدعو إلي العنف ضد المخالفين و التمييز بحق المرأة و نبذ العلمانية و الديموقراطية فهي أديان معوقة للتقدم و يجب التخلص منها أو تحسينها عن طريق القيام بإصلاح ديني واسع و هذا ليس شرطا لكي يرجع الملحد إلي دينه بل هو حتمية و ضرورة إذا أراد المؤمنين بتلك الاديان التعايش و الإستمرار مع بقية الناس.

-         كل الكائنات الأسطورية التي حكت عنها الأديان ليست موجودة سواء كانت آلهة أو شياطين أو ملائكة او جن أو عفاريت أو أرواح أو أشباح أو ما إلي ذلك, و كل الأحداث الخارقة و المعجزية لم تحدث و إن حدثت فهي ظواهر طبيعية لها تفسير علمي و عقلي.

-         التعاليم الدينية ليست مرفوضة بالكامل بل إن بها الكثير من القيم الأخلاقية المحترمة و التي يعمل بها الملحدون و يؤكدون عليها. الملحدون يؤكدون أن الأديان لا تحتكر الفضيلة أو الأخلاق و أن الفلاسفة و الحكماء من البشر يبحثون في معاني الخير و الفضيلة من قبل حتى أن نتتشر الأديان.

-         الملحد لا يؤمن بوجود الروح و يفسر نشأة الحياة على كوكب الأرض بحسب آخر المستجدات العلمية. و بالتالي لا يؤمن الملحد بخلود الإنسان أو حياته بعد فناء جسده و لا يخشى من عقاب الآلهة او يوم الدينونة, لأنه لا يوجد دليل معقول أن الحياة تستمر بعد موت الجسد. نحن نستمر فقط من خلال ذريتنا و بالطريقة التي تؤثر بها حياتنا على الآخرين.

الأخلاق :

-         يشترك الملحد مع المؤمن بأي دين في انه يحترم القوانين الوضعية و يعتبرها قوانين ملزمة له لما لها من منفعة في تنظيم حياة الناس و تسيير أمورهم.

-         أخلاق الملحد ترتكز بالكامل على الأفعال و المثاليات و القيم التي على الأرض في حياتنا الواحدة و الوحيدة. المدينة الفاضلة التي في الجنة يجب أن تبنى هنا في هذا العالم او لا تكون على الإطلاق.

-         أخلاق الملحد تعتمد على العقل و المنهج العلمي لإتخاذ القرارات الأخلاقية و لا ترى أي فائدة للصلاة أو التوجيه الإلهي بواسطة كائنات فائقة للطبيعة.

-         الملحد لا يعتقد أن إهتمامه بنفسه يتعارض مع إهتمامه بالناس بل يرى و يدعي أن الرجل أو المرأة يستطيعان الجمع بتناغم بين الإهتمام بالذات بشكل نسبي و الإهتمام بالآخر بشكل نسبي في العمل من أجل الخير المشترك. خير الجماعة يعني أسرة الملحد و مدينة الملحد و دولة الملحد و امة الملحد و كل الإنسانية. بالسعادة و التقدم لكل النوع الإنساني يتحقق الخير العام الأقصى و الهدف الأخلاقي الأسمى لكل ملحد.

-         أخلاق الملحد إنتقائية و تدمج أي مما تراه مناسبا في الفلسفات و الأديان الأخرى. يعني الكثير من التعاليم الأخلاقية في المسيحية و الإسلام لها مكانة مهمة في مبادئ و سلوك أي ملحد.

-         تدعيم الديموقراطية و الحريات المدنية و حقوق الإنسان هي قواعد أخلاقية للملحد, بحرية كاملة للتعبير في كل مجالات الإبداع الإنساني.

-         قيم و مبادئ الملحد تعتمد أساسا على أن البشر لهم حرية حقيقية في الإختيار في لحظة إتخاذ القرار الأخلاقي. الجبرية تجعل أي نوع من الأخلاق مستحيل و بلا معنى. و مع ذلك فالملحد يعتقد بأنه حر جزئيا و مجبر جزئيا لأن الإنسان خاضع لعوامل كثيرة, تتضمن الجينات عند أسلافه و شخصيات والديه و التعليم و الحالة الصحية, و طبيعة العمل, و قانون الجاذبية. النتائج اللاإرادية تحدث بسبب كل هذة العوامل. و مع ذلك ففي اللحظة التي يختار فيها المرء بين إثنين أو أكثر من البدائل فإن شرارة من الحرية الحقيقية تكون موجودة.

-         من المؤكد أن القيم الأخلاقية تستمد أصولها من الخبرة الإنسانية, فالاخلاق مستقلة و متغيرة بحسب الموقف بلا حاجة لآلهة أو أديان. الأخلاق مستمدة من إحتياجات الإنسان و إهتماماته و إنكار ذلك يشوة القواعد الأساسية في الحياة. الملحد ينكر أن الأخلاق تحتاج لأن تنبع من عقيدة دينية أو أن هؤلاء الذين لا يرتبطون باي عقيدة دينية هم بلا أخلاق. و مع أن الملحد متسامح مع مختلف أساليب الحياة و السلوكيات الإجتماعية فهو لا يظن أنها معفية من النقد. و لا يعتقد أن أي دين يحق له ان يفرض رؤيته للفضيلة الأخلاقية و الإثم و السلوك الجنسي و الزواج و الطلاق و التحكم في النسل أو الإجهاض أو أن تسن القوانين بحسب تلك الرؤية على بقية المجتمع. الملحد يعارض الأخلاق الإستبدادية و يؤكد أن القواعد الموضوعية ستكون لها الغلبة, أما القيم و المبادئ الأخلاقية فمن الممكن ان تكتشف في سياق التشاور الاخلاقي و الديموقراطية.

الجنس :

-          من الحماقة أن نمتنع عن المسرات الأرضية من أجل أن نحفظ الروح نقية بحيث تكون مقبولة في الجنة لأنه لا الروح موجودة و لا الجنة موجودة و لا الإنسان سيخلد بعد أن يموت. الملحد يرفض تماما المظاهر المتزمتة للأديان و يؤكد على الحق الأخلاقي في الإستمتاع بالحد الأقصى من مسرات الحياة. الملحد يشجب المبالغة في التأكيد على فساد الجنس الحر الذي نشرته الأديان لما يقرب من 2000 سنة.

-         الملحد لا يتأسف على الإهتمام بالمتعة و يرفع شعار ” كل و إشرب و كن مبتهج “. لكن يتحقق هذا الإستمتاع فقط في الأجازة و إسترجاع النشاط يجب ان يكون في الصيف أو في الأجازات الأسبوعية او في المساء أو أثناء شهر العسل كبركة الزواج. الإستمتاع الخالص بتلك الأوقات لا يتضارب أو يتعارض مع العمل الشاق في مهنة مهمة أو تكريس الجهد لمنفعة قضية أو قضايا مهمة. في الحقيقة, الكثير من المتعة و التجديد يجعل المرء على الارجح عامل أفضل و مواطن أفضل بشكل عام.

-         الملحد له وجهة نظر متحررة بالنسبة للعلاقات الجنسية, و يؤكد أن الزواج يلعب دور أساسي في الحياة الحلوة و السعيدة. لكن على كل دولة أن تتيح لكلا الطرفين في الزواج أن يحصلوا على طلاق سريع إعتمادا على إنعدام التوافق وحده. يجب أن نكسر القفل من على باب الزواج. كذلك الكيل بمكيالين في العلاقات الجنسية يجب أن ينتهي, فالنساء لها كامل المساواة مع الرجال بكل طريقة ممكنة.

-         في العلاقات الجنسية الحميمة, يكون المحبين في احسن حالاتهم حين يدمجوا الإحساس المتحمس بالجمال مع الشهوة و الجنسانية. تلك النوعية من الإحساس الجنسي-الجمالي تعتبر أساسية. بنفس الأهمية هو الوعي العميق بالحنان و الحب في المشاركة الجنسية.الإحساس الدافيء و الرائع للتوحد البدني و الروحي مع المحبوب, الإحساس بالإبتهاج و السمو في نفس الوقت. حين يختبر الحب بهذة الوسائل فإنه يصبح ترياق قوي ضد الوحدانية التي تزعج الإنسان.

-         يعتبر الجنس نشاط حر و جميل و مسموح به دائما طالما انه لم ينتهك أي من القوانين الأساسية :

أ‌)       ليس ضد رغبة الآخر

ب‌)   لا ينتهك طفولة الأطفال

ت‌)   لا يتعدى حرمة الأسرة

ث‌)   لا يعتبر خيانة لشريك الزواج

فيما عدا ذلك يعتبر أي نشاط جنسي هو لهو مباح و برئ و لا حرج عليه أخلاقيا.

-         الملحد يؤمن بأن المواقف المتعصبة, التي تشجعها الأديان التقليدية و الثقافات المتزمتة, تكبت السلوك الجنسي بإفراط, فكل إنسان لديه الحق في التحكم في الإنجاب, و الإجهاض, و الطلاق. و مع أنه لا يقر الإستغلال و الأشكال المشوهة في الممارسة الجنسية لكنه لا يرغب في المنع بالقانون او العقوبات الإجتماعية السلوك الجنسي بين بالغين متراضين.التنوعات الكثيرة في الإستكشافات الجنسية لا يجب ان يتم إعتبارها “شر” في ذاتها. بلا تشجيع للإباحة الهوجاء فإن المجتمع المتحضر يجب ان يكون متسامحا. بأقل قدر من إيذاء الآخرين أو إجبارهم على ان يقوموا بنفس الأفعال, فالأفراد يجب أن يسمح لهم بالتعبير عن ميولهم الجنسية و متابعة طريقتهم في الحياة كما يشاءوا.

-         كل ملحد يرغب في تشجيع موقف عاقل من الجنس, حيث لا يستغل الإنسان و كأنه شيء جنسي و حيث يتم تشجيع الألفة و الإحساس و الإحترام و الامانة كجزء من علاقة شخصية. كذلك التعليم الأخلاقي للأطفال و الكبار هو طريقة مهمة لتطوير الوعي و النضج الجنسي.

الفلسفة و الحياة :

-         يتفق الملحدون على الإلحاد و يختلفون فيما عدا ذلك و هذا يعني أن لكل ملحد فلسفة خاصة به يختارها بنفسه و لا يجبره عليها أحد و هناك من الملحدين من لا يعتنق فكرا محددا أو فلسفة معينة و هذا يعني أن الإختلاف بين الملحدين موجود كما انه موجود بين المؤمنين.

-         كملحدين, إبتدأنا بالإنسان و ليس الله, بالطبيعة و ليس الألوهية. فالطبيعة بالتأكيد هي اوسع و أعمق مما نعرف الآن, لكن أي كشوف جديدة ستزيد من حجم معارفنا الطبيعية. الملحد يعتبر أن الكون موجود بذاته و ليس مخلوقا, و يؤمن بان الإنسان هو جزء من الطبيعة و أنه قد نشأ نتاج عملية تطور مستمرة. و على هذا فإن الملحد يستمد الكثير من أفكاره و مواقفه من الفلسفتين المادية و الطبيعانية.

-         يستطيع الإنسان أن يكتشف بسهولة عدم وجود هدف إلهي أو تدبير سماوي للنوع الإنساني. و مع ذلك فالحياة الإنسانية لها معنى لاننا نخلق و نطور مستقبلنا. نحن نكافح من اجل حياة حلوة, هنا و الآن. الهدف هو أن نطارد ثراء الحياة على الرغم من كل القوى المفسدة و اللا إنسانية. و مع أن هناك الكثير مما لا نعلمه, فالناس مسئولة عما سنصبح عليه جميعا. فلا يوجد إله ينقذنا لذا يجب علينا ان ننقذ انفسنا.

-         العقلانية و الذكاء هم أكثر الأدوات التي يمتلكها النوع الإنساني تأثيرا. لا يوجد بديل آخر : لا الإيمان ولا العاطفة تكفي. الإستخدام المنضبط للطرق العلمية يجب أن يمتد اكثر لحل مشاكل الإنسان, لكن العقلانية يجب أن تلطف بالتواضع لأنه لا يوجد أي جماعة تملك إحتكار الحكمة أو الفضيلة. و لا يوجد أي ضمانات بأن كل المشاكل سيتم حلها أو أن كل الأسئلة سيجاب عليها. و مع ذلك فإن الذكاء المصحوب بحس الإهتمام بالإنسان هو أفضل طريقة تملكها الإنسانية لحل المشاكل. العقلانية يجب أن تتوازن مع الحنية و المشاركة العاطفية. الملحدين لا يدافعون عن إستخدام الذكاء العلمي بشكل مستقل عن أو معادي للمشاعر. لأننا نؤمن بحضارة المشاعر و الحب. و مع أن العلم يدفع للوراء حدود المعلوم, فإن حس التأمل عند النوع الإنساني يتجدد بإستمرار, و الفن و الشعر و الموسيقا يحتفظون بمكانتهم مع الدين و الاخلاق.

العقل و العلم :

-         الملحد ملتزم بإستخدام الطرق العقلانية في البحث عن المعرفة, و يتمسك بالمنطق و الدليل في تطوير المعرفة و يختبر أي إدعاءات من أجل معرفة الحقيقة. و مع أن الملحدين ليسوا بالسذاجة التي يظنوا بها أن العقل و العلم يستطيعا بسهولة أن يحلا كل مشاكل الإنسان, إلا أنهم مع ذلك يؤكدون انهما يستطيعا عمل إسهام كبير في المعرفة الإنسانية و من الممكن ان يكونوا في مصلحة النوع الإنساني. الملحد لا يعرف أي بديل غير العقل و العلم لتشجيع الذكاء الإنساني.

-         الملحد يؤمن بان المنهج العلمي – مع أنه غير كامل – فهو يظل أكثر طريقة موثوق بها لفهم العالم. فهو ينظر للعلوم الطبيعية و الأحيائية و الإجتماعية و السلوكية من أجل معرفة الكون و مكان الإنسان بداخله. علم الفلك الحديث و الفيزياء فتحا آفاقا جديدة مثيرة للكون : لقد مكنا النوع الإنساني من إستكشاف الكون بواسطة وسائل السفر في الفضاء. الأحياء و العلوم الإجتماعية و السلوكية قد وسعت من فهمنا للسلوك الإنساني. و بالتالي يعارض الملحد من حيث المبدأ أي جهود لمراقبة أو تحديد البحث العلمي بدون أسباب جوهرية لفعل ذلك.

-         الملحد يعي و يعارض سوء إستخدام التكنولوجيا و إمكانية تبعاتها الضارة على النظام البيئي الطبيعي في بيئة الإنسان, و مع ذلك يحث الملحدون على مقاومة الجهود الداعية للحد من التقدم التكنولوجي و العلمي. نحن نقدر الفوائد العظيمة التي يستطيع العلم و التكنولوجيا ( خصوصا البحوث الأساسية و العملية ) أن يجلباها للنوع الإنساني لكننا ندرك أيضا الحاجة لموازنة التقدم العلمي و التكنولوجي بالإستكشافات الثقافية في الفن و الموسيقا و الأدب.

-         الملحد يعتبر ان الكون هو مشهد متحرك من القوى الطبيعية و التي نحاول أن نفهمها بواسطة البحث العلمي. فالملحدين دائما منفتحين لإكتشاف الإمكانيات و الظواهر الجديدة في الطبيعة.

-         على الرغم من أنه لا يمكن القول أن نظرية التطور قد وصلت لشكلها النهائي أو إنها مبدأ معصوم بالعلم, فهي مع ذلك تؤكد على نحو مؤثر بالإكتشافات التي في علوم عديدة. ربما يكون هناك بعض الإختلافات الهامة بين العلماء بخصوص تقنية التطور, لكن تطور الأنواع مدعم بقوة بواسطة أدلة كثيرة و هامة و التي تجعل من الصعب رفضه. و في كل الأحوال فإن قصة الخلق التقليدية بواسطة إله فائق للطبيعة لا يمكن أن تكون البديل الحقيقي أو الأفضل من نظرية التطور.

الديموقراطية و العلمانية :

-         الملحد يدافع بثبات عن غاية الحرية, ليس فقط حرية الوعي و الإعتقاد من أصحاب النفوذ الديني و السياسي و الإقتصادي التي تسعى لقمعها, لكن الحرية السياسية الأصيلة و ديموقراطية إتخاذ القرار المعتمدة على قاعدة الأغلبية و إحترام حقوق الأقلية و حكم القانون. نحن كملحدين نسعى للدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية متضمنة الحق في حماية الحياة و الحرية و البحث عن السعادة.

-         لتدعيم الحرية و الكرامة, يجب أن يختبر الفرد أقصى مدى من الحريات المدنية في كل المجتمعات. بما فيها حرية التعبير و الإعلام, الديموقراطية السياسية, و الحق القانوني في معارضة سياسات الحكومة و قضاء عادل و حرية دينية و حرية التنظيمات الإجتماعية و الحرية الفنية و العلمية و الثقافية. و تتضمن الإقرار بحق الفرد في الموت بكرامة و القتل الرحيم و الحق في الإنتحار. الملحد يعارض الغزو المتزايد على الخصوصية بواسطة أيا كان, في كلا المجتمعات الشمولية و الديموقراطية.

-         الملحد يتعهد بالمساهمة في إقامة مجتمع مفتوح و ديموقراطي. لذا يجب أن نوسع المشاركة الديموقراطية بمعناها الحقيقي في الإقتصاد, و المدرسة, و الأسرة, و مكان العمل, و التنظيمات التطوعية. صنع القرار يجب أن يكون لامركزيا لكي نضمن المشاركة الواسعة للناس من كل المستويات الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية. كل الأشخاص يجب أن يكون لهم صوت في تطوير القيم و الأهداف التي تتحكم في حياتهم. التنظيمات يجب أن تستجيب للرغبات و الإحتياجات المعلنة. الظروف في العمل و التعليم و التقوى و اللعب يجب أن تتم أنسنتها, فالقوى المنفرة يجب ان يتم تعديلها أو إبادتها, و المنشآت البيروقراطية يجب أن تختزل لأقل قدر ممكن. الناس أهم من الوصايا العشر و القوانين و الحرمانات و التنظيمات.

-         بسبب إلتزام الملحد بالحرية, يؤمن بمبدأ فصل الدين عن الدولة. دروس التاريخ واضحة : في أي وقت ينشأ فيه دين او أيديولوجية و يأخذ وضعا مسيطرا في الدولة فآراء الأقلية في خطر. المجتمع التعددي المفتوح الديموقراطي يتيح لكل وجهات النظر ان تسمع. أي جهد لفرض فكرة حصرية عن الحقيقة أو التقوى أو الفضيلة أو العدالة على المجتمع ككل هو إنتهاك لحريات الناس. لا يجب أن يسمح للسلطات الدينية ان تسن القوانين بوجهات نظرها الضيقة – سواء الأخلاقية أو الفلسفية أو السياسية أو التعليمية أو الإجتماعية – لباقي المجتمع. و لا يجب أن تنتزع أرباح الضرائب من أجل مصلحة أو دعم مؤسسات دينية طائفية. الأفراد و الجمعيات التطوعية يجب أن يكونوا احرار في قبول أو عدم قبول أي عقيدة و ان يدعموا تلك قناعاتهم بأي موارد يملكونها, بدون أن يتم إجبارهم بالضرائب على أن يسهموا بما لا يوافقون عليه من اجل العقائد الدينية. بل إن أملاك الكنائس و الأوقاف الدينية يجب أن تشارك في عبء الأرباح العامة و لا يجب ان تعفى من الضرائب. القسم الديني و الصلوات الدينية الإجبارية في المؤسسات العامة (السياسية و التعليمية) تعتبر أيضا إنتهاك لمبدأ العلمانية.

الإيمان و التدين عند الملحد

الدين إختراع إنساني

في البدء كان الإنسان ..

و لكنه في البدء لم يكن إنسانا بمعنى الكلمة بل كان بدائيا و همجيا و أقل ذكاء من الإنسان في العصور اللاحقة. صحيح أن الحضارة قد اوحت للإنسان انه ليس مجرد حيوان آخر إلا أن الإنسان في بداياته لم يكن اكثر من مجرد حيوان آخر. بعد هذا و بذكاؤه و مجهوده و تراكم ثقافاته و حضاراته أصبح الإنسان متحضرا و مهذبا و قويا و ذكيا لدرجة اوحت له بانه يفوق الطبيعة من حوله و يفوق كل الكائنات الطبيعية. في البدء كان الإنسان بسيطاً في تفكيره و في استيعابه للظواهر الطبيعية الخارجية مثل الليل و النهار و المطر و الرعد و البرق بالإضافة للظواهر الطبيعية الإنسانية مثل الموت والنوم والأحلام وكانت هذه الظواهر تثير خوف الإنسان و رعبه و إحساسه بالعجز و الدونية. و بالتالي لجأ إلي تفسير هذه الظواهر بأن هناك قوى عاقلة و فائقة للطبيعة هي التي تتحكم فيها و تسيطر عليها. و هكذا ولدت فكرة الأديان عند الإنسان البدائي و بسبب جهله و قلة حيلته.

لقد نشأت الاديان في زمن الجهل و العجز و بقيت بعد ذلك في أزمان العلم و القدرة رغم أن الإنسان لم يعد بحاجة لتفسيرات خرافية و لا بحاجة لإستجداء الرحمة من الظواهر الطبيعية. لكن إذا كانت نشأة الأديان لها تفسير فإن إستمرار الأديان في العصر الحديث يعتبر علامة تعجب كبيرة أمام العقل. يعني الإنسان في بدايته كان محتاجا لدين و الحاجة أم الإختراع اما الآن فإن إحتياجاته تغيرت و تطورت و لم تعد الأديان البدائية تفي بها. صحيح ان العلمنة و قلة التدين هي ظاهرة واسعة الإنتشار و تدل على ملل إنسان العصر الحديث من الدين و التدين إلا ان إنسان القرن الواحد و العشرين لا يزال متمسكا بالأديان من حيث المبدأ و محتاجا لدين شامل يركن إليه و يستخدمه في تفسير كل شيء و خلع معاني على كل شيء.

يقال أن الدين نشا عندما إلتقى أول نصاب بأول مغفل و لكن ربما كان في هذا تجني كبير على الاديان و إختزالها في مجرد عمليات نصب يهدف من يروج لها لكسب السلطة و الاموال عن طريق إقناع الأتباع بانه شخص مميز و على علاقة بآلهة أو إقناعهم بأن هناك كائنات فائقة للطبيعة تفضله شخصيا و تختصه برسائلها و نصائحها و حكمتها. ربما نشأت الأديان كعمليات نصب و لكنها لم تبقى إلا لأن الإنسان يحتاجها. صحيح أنه ليس هناك آلهة تختار بعض الأشخاص لحمل رسالة معينة لبقية البشر و صحيح أن الأديان نشأت وفق ظروف طبيعية لتلبي حاجة الناس و أنها من صنع الإنسان و لم تسقط عليه من السماء, و لكن هذا لا يجعلها أقل قيمة مما لو كانت سماوية, على العكس. فالأديان لأنها بشرية و من صنع الناس فهي أقرب للناس مما نتخيل و تعبر عن طموحاتهم في التأله و أحلامهم بالخلود و المجد.

كل الأديان وضعية فعلا و ما يسمى الأديان السماوية هي خرافة أخرى تفردت بها الأديان الإبراهيمية و لكن هذا لا يجعلها بلا معنى فالأديان هي إختراع إنساني مهم جاء ليلبي حاجات البشر للمعرفة و حفظ أخلاق المجتمعات. الأديان هي تراث إنساني حفظ لنا الكثير من قيم و أفكار و فنون العصور القديمة. و مع أن الأديان الموجودة حاليا هي بالفعل خرافية و رجعية إلا أنها لم تكن كذلك طوال الوقت أو على الاقل ليس بنفس الدرجة. الفكرة هي ان الدين له وظيفة محددة و لكن الأديان الموجودة لم تنجح في تلك الوظيفة بل تحايلت لترسيخ أوضاع إجتماعية خاطئة و أفكار غير علمية مما جعلها قوة رجعية تعمل ضد تقدم الإنسان و الإنسانية.

و لكن المنطق يقول أن الحاجة أم الإختراع.

و هذا يفسر نشأة الإختراعات عموما لأننا لو لم نحتاج الإختراع لما أبدعناه. و لو عرفنا أن الدين عموما هو إختراع إنساني لتأكدنا أن هذا الكلام ينطبق أيضا على الدين فالدين عموما ليس منتجا من خارج كوكب الأرض أو هبط من السماء بل هو صناعة بشرية و إختراع إنساني. إن إنخراط الناس على نطاق واسع بإتباع الديانات يكشف لنا أن الدين حاجة أساسية للبشر. لكن لماذا نحتاج للدين ؟ أو ما هي الأسباب التي جعلت الإنسان القديم يخترع مثل تلك العقائد ؟

1-       الأديان تزود البشر برؤية كونية عن كيف نشأ العالم و كيف وجدت الحياة عموما و الإنسان خصوصا.

رؤية مغلوطة و غير علمية إلا انها رؤية شاملة.

2-       الأديان تحفظ المعايير الأخلاقية الخاصة بالمجتمع.

أخلاق رجعية و بلا معنى إلا أنها أخلاق على أي حال.

3-       الأديان تعطي سببا و معنى لوجود الإنسان في الحياة.

معنى فاسد و لا يصلح لهذا الزمان إلا أنه كان فعالا لفترة طويلة.

الدين حاجة بشرية

إذا لو إتفقنا على أن الإنسان العادي محتاج لدين فسيأتي السؤال : أي دين ؟ أي دين من الاديان الموجودة هو الأحق بالإتباع و الأنسب لإنسان هذا العصر ؟ هل هي المسيحية أم الإسلام أم الهندوسية ام غيرها ؟ و أي طائفة أو مذهب في هذا الدين المفترض ؟ إن الخيارات مفتوحة لكل إنسان و لكن الواقع أن كل تلك الأديان رجعية و خرافية بشكل يفوق إحتمال أي إنسان, و مع ذلك يبقى الإحتياج لدين ما قائما.

يبقى الإحتياج للدين لتلبية الحاجات التي نشأت الأديان لتلبيها أصلا. فنحن أبناء و بنات البشر الذين إخترعوا الاديان لأنهم حاولوا فهم نشأة الكون و الحياة و الإنسان و حفظ الأخلاق الخاصة بالمجتمع وفق منظومة شاملة. و لكن حاجات هذا العصر تختلف لأن الأديان أصبحت مثل القطارات البخارية في عصر القطار الفائق السرعة بل أصبحت مثل الحمير و الدواب في عصر الطائرة و السيارة يعني لا يمكن إنكار ان الأديان جاءت لتخدم الناس في عصرها و لكنها تقادمت و أصبحت غير فعالة لهذا العصر.

طيب ما هو الحل ؟

أعتقد ان هناك حلول جيدة بهذا الخصوص :

1-     اللادينية

الحل الأول و الأسهل هو أن يترك المرء الأديان كلها و يصبح لاديني و لكن هناك عيب واحد في هذا الحل و هو إن المرء يستغنى عن ميراث حي للإنسانية جاء ليلبي إحتياجات كل إنسان فاللاديني هو شخص ليس له موقف محدد و شامل من الحياة مقابل الديني الذي لديه موقف محدد و شامل حتى و إن كان مغلوط و بلا معنى.

صحيح ان الاديان الموجودة فاسدة و خرافية و لكن فكرة الدين من حيث المبدأ ليست بهذا السوء, ثم إنه ليس شرطا ان يكون للدين إله فالدين هي لفظة من الممكن ان تطلق على أي أيديلوجية متكاملة. يعني من الممكن أن نعتبر الماركسية مثلا دين غير ألوهي لانها عقيدة سياسية – إقتصادية – فلسفية متكاملة و تمكن الإنسان من ان يكون له موقف من كل شيء. و بالتالي لو إعتبرنا العديد من الفلسفات الملحدة أديانا تكون اللادينية بهذا المعنى هي ان يصبح المرء كائن غير مؤدلج أو ليس له موقف واضح من أي قضية من القضايا إلا القضية الدينية. في الواقع فإن تعبير لاديني يصف موقفا سلبيا و ليس هوية واضحة معالم في كل الأحوال.

2-     الإصلاح الديني

و هذا الحل يعتبر أفضل من السابق لأنه لا يترك الأديان على حالها و لا يتخطى الحاجات التي جاءت الاديان لتلبيها بل هو يقوم بإصلاح الاديان نفسها ليجعلها عصرية و مواكبة لمتطلباتنا. و لكن الإصلاح الديني المنشود ليس إصلاحا سطحيا أو يهذب شكل الدين و يترك جوهره, الإصلاح الديني المنشود لا يتأتى إلا بعلمنة شاملة تجعل الدين علمانيا و حضاريا. الإصلاح الديني يعني بإختصار ملحدة الاديان أو تحويلها إلي فلسفات ملحدة و ذلك وفق شروط محددة :

أ – نبذ الخرافات و الأساطير بما فيها قصص الآلهة و الأنبياء و المعجزات و خلود الروح و الجنة و جهنم و أي إدعاءات فائقة للطبيعة.

ب – نفي إمتلاك الحقيقة الحصرية بل تكون الأديان مجرد وجهات نظر او أساليب حياة مقترحة.

ج – نبذ العنف و العنصرية و التأكيد على قيم السلام و الحب و التعايش.

د – قبول العلم و نظرياته و قوانينه و عدم الإصطدام به أو الصراع معه.

هـ- إحترام حقوق الإنسان و عدم المساس بأي حق منها.

و هكذا وفق تلك الشروط تكون الأديان كلها ملحدة و ما يتبقى منها بعد هذا الترشيد و التهذيب يكون وجهة نظر أخلاقية و حياتية لا أكثر يتبعها الناس بناءا على إختيار حر و يتركها الناس بكامل حريتهم أيضا. أما أن نلتزم بعلمنة الدولة فقط و نترك الأديان تنخر في المجتمع كالسوس فتلك سياسة ناقصة و خطيرة.

الحقيقة إن العالم يجب أن يوقف التداول الحر للأديان الخرافية الحصرية الرجعية العنيفة المنحلة و أن يلزم رجال الدين بالتحول إلي رجال فكر و فلسفة عن طريق علمنة الأديان أو ملحدتها و تحويلها إلي فلسفات أخلاقية علمية تقدمية سلمية منفتحة. أما الحرية المطلقة لتداول كل الأفكار و المعتقدات بما فيها النازية و الفاشية و الإسلامية و المسيحية فسيوقف تقدم عالمنا أمدا طويلا و يجعلنا نحيا في حروب دائمة بين أتباع المعتقدات و الأديان, و هو ما لا نرجوه لعالمنا بالتأكيد.

3-     إختراع أديان جديدة

فطالما أن الأديان الموجودة خرافية و رجعية و طالما أن تلك الأديان تستعصى على الإصلاح و التطوير, و طالما ان الإنسان لا يزال محتاجا للدين فلا يوجد مفر من ان نخترع أديانا جديدا تحل محل تلك الأديان و تسد الفراغ الذي لم تستطع الأديان القديمة ملؤه. أديان عقلانية و علمية و اخلاقية و تسع كل الناس. أديان تدعم الترابط بين الناس و تؤكد على الحب و العدل و الكرامة بقدر ما تؤكد على الحقيقة و العلم. أديان لكل الناس و تحترم من يرفضها و لا تدعوهم كفار أو أعداء. أديانا ملحدة ..

كل إنسان هو مؤمن

قد يكون الملحد متدين بأحد الأديان الملحدة و قد يكون لاديني يرفض كل الأديان, و لكن كل الناس لديها ما تؤمن به, و من لا يؤمن بالآلهة أو بالإله قد يؤمن بالإنسان او يؤمن بالطبيعة او يؤمن بالمجتمع او يؤمن بأي شيء آخر. من لا يؤمن بالأديان فقد يؤمن بالعلم و قد يؤمن بالفلسفة و قد يؤمن بأي معارف أخرى. من لا يؤمن بالوحي قد يؤمن بالعقل و قد يؤمن بالتجربة و هكذا. الإيمان ليس حكرا على الأديان الألوهية فقط و ليس الملحد هو من ينكر كل شيء إنكارا تاما فلايوجد مثل هذا الشخص أصلا. كل الناس لديها ما تؤمن به و الملحد يرفض الإيمان بالخرافات و لكن الغالبية الساحقة من الملحدين تؤمن بالإنسانية و العلم و العقل و بالطبيعة و المادة و غيره.

الإيمان ليس بالضرورة هو الإيمان بوجود إله أو الإيمان بالروح و الخلود في جنة او نار أو الإيمان بنبوة نبي او الإيمان بوجود الملائكة و الشياطين الإيمان يعني أن يثق المرء و يصدق في شيء ما أيا كان هذا الشيء. و الملحد يثق في العقل و في العلم و في الإنسان و في الطبيعة و ذلك فإن لديه ما يؤمن به و إن كان مختلفا عما يؤمن به المؤمن التقليدي. الإيمان ليس بالضرورة قفزة فوق العقل و المنطق و العلم بل من الممكن أن يكون إيمان بالعقل و المنطق و العلم. الإيمان ليس هو تصديق الإدعاءات الفائقة للطبيعة في كل الأحوال هو في أحيان كثيرة إيمان بالطبيعة نفسها و بأن الكون كله طبيعي و مادي. الإيمان بهذا المعنى هو موقف راقي و رائع و لا غبار عليه و ليس الإيمان بأن الإنسان خطاء و شرير أو الإيمان بأن الوحي يفوق العقل و أن الآلهة ليس شرطا أن تكون منطقية.

الإيمان عند الملحد هو إيمان عقلاني و ليس إيمانا له طبيعة سحرية كما في الأديان الألوهية. الإيمان في المسيحية مثلا هو الثقة بما يرجى و الإيقان بأمور لا ترى و لكن الإيمان في الحقيقة أشمل و أعم من التفسير المسيحي له. الإيمان هو ان يثق المرء و يوقن بأي شيء حتى و إن لم يكن يتمناه أو يطيب له بل وحتى لو كان يزعجه حقا. مثلا الملحد يؤمن بأنه لا حياة بعد موت الجسد مع إنه ربما كان يتمنى الخلود و لكن إيمانه ليس بما يرجى بالضرورة.

و لكن الإيمان فعلا هو إيقان بأمور لا ترى. الإنسان العادي يؤمن بأن الأرض كروية و انها تدور حول الشمس مع أنه لا يرى ذلك بعينه. كل الناس لديها ما تؤمن به من اول إيمانها بحتمية القوانين الطبيعية و ليس إنتهاءا بإيمانها بقدرات و تطور الإنسان.

خلاصة القول أنه لا الدين وصمة يتبرا منها الملحد و لا الإيمان كذلك هو سبة. الإلحاد هو موقف ديني بإمتياز و يسري عليه الكثير من الأشياء التي تسري على الأديان. كل ملحد لديه فلسفة حياتية معينة حتى و إن لم يسمها بإسم معين و كل ملحد لديه أخلاقيات معينة حتى و إن لم تكن أخلاقا صالحة و كل ملحد لديه ما يؤمن به حتى و إن كان يؤمن بالفوضى أو الإنحلال. لا الإيمان حكر على المؤمنين بالآلهة و لا الدين كذلك حكرا عليهم و لا حتى الأخلاق, كلنا ممكن ان نؤمن و نتدين و نكون على خلق سواء آمنا بالآلهة أو لم نؤمن.

المسيحية برؤية ملحدة (جزء 2)

ثانيا : العقائد المسيحية

تعتمد المسيحية أساسا على الإيمان بعقائد معينة و أهمية الإيمان تبدو واضحة في كلام بولس في الرسالة إلي العبرانيين إصحاح 11 :

6 و لكن بدون ايمان لا يمكن ارضاؤه لانه يجب ان الذي ياتي الى الله يؤمن بانه موجود و انه يجازي الذين يطلبونه

الكلام واضح : بدون تصديق الأسطورة المسيحية لا يمكن إرضاء الله, فلا يمكن لاحد أن يخلص بدون أن يؤمن بوجود الله و انه يجازي الناس بحسب أعمالهم. بل و تبدو أهمية الإيمان أيضا في كلام المسيح في إنجيل متى, إصحاح 17:

20 الحق اقول لكم لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل و لا يكون شيء غير ممكن لديكم

الإيمان هنا يمكن ان يجعل المرء في قوة آلهة الأساطير : يؤمن فقط و حين يأمر الجبال بأن تنتقل من مكانها ستنتقل.

في الحقيقة يمكن نسف المسيحية نسفا بتلك الآية فقط لأنها مغرقة في الخيال و اللاموضوعية أو ربما هذا يعني أن الـ 2 مليار مسيحي و يزيد ليس لديهم إيمان مثل حبة خردل و إلا كنا رأينا الجبال تطير في سماءنا دون داعي من فرط إيمان الأخوة المسيحيين. لكن إذا كان كل المسيحيين لا يستطيعوا تحريك حجرة من على الأرض و ليس جبل إذن فباطل هو الإيمان بالقصص المسيحية كلها.

لكن ما هو الإيمان أصلا ؟

نجد بولس يقول في رسالته إلي العبرانيين إصحاح 11 :

1 و اما الايمان فهو الثقة بما يرجى و الايقان بامور لا ترى

الثقة بما يرجى يعني ان أؤمن بما أتمناه أو التفكير بالتمني. فلو أن هناك من يتمنى مليون جنية عليه أن يصدق أنه يملك مليون جنية ليكون مؤمنا, حتى و لو لم يكن يملك هذة المليون جنية : أن يصدق المرء بوجود أو حدوث ما يتمناه يعتبر نوع من انواع الجنون قوامه البعد عن الواقع و الإغراق في الخيال و لكن بولس يبدو أنه يعمل على إجتذاب المحبطين في تلك الحياة بكلامه عن الإيمان.

أما الإيقان بأمور لا ترى يعني أن نصدق جدا بأمور لا يمكن التحقق منها او التثبت من صدقها و طبعا هذا ضد العلم التجريبي و العقل المنطقي : فكرة اليقين نفسها تعتبر ضد نسبية الوجود و نسبية الحياة, و أما ثبات و رسوخ اليقين في حياة متغيرة لهو ضرب من اللاموضوعية, و لكن اليقين بامور لا يمكن التحقق منها أو لا ترى على حد تعبير بولس فيعتبر قمة العته و الجنون.

و كلام بولس لا يختلف عن كلام المسيح في إنجيل يوحنا إصحاح 20 :

29 قال له يسوع لانك رايتني يا توما امنت طوبى للذين امنوا و لم يروا

حتى المسيح شخصيا يطوب التصديق بغير دليل أو منطق و يشجع الناس على اللاموضوعية و التفكير بالتمني و إستبدال الواقع بالخيال, هو يعيب على توما انه أراد التثبت من قيامته من الموت !! و كأن قيامة أحدهم من الموت تعتبر أمرأ عاديا و سهلة التصديق و لا يحتاج إلا إلي إخبارية من أحدهم لكي يصدق المرء فورا أما السعي للتحقق من الأمر و التثبت من الحقيقة فتعتبر شيئا معيبا و لا يرضي المسيح.

في الحقيقة أنا اعتقد أن توما كان في غنى عن التثبت من قيامة المسيح فالقصة مستحيلة الحدوث لأنه لا يمكن لاحد أن يحيا بعد موت و خصوصا بقوة سحرية من العصور القديمة. يعني ربما لو عرف المرء أن الناس في المستقبل سيكون لديهم القدرة بالعلم على إحياء الموتى لكان الكلام أكثر معقولية و خصوصا أن العلم في تقدم مستمر و لا يبدو ان هذا التقدم سيقف عند حدود, .. لكن في الماضي و ليس المستقبل ؟!! حين كان الناس تركب الحمير و البغال في تنقلاتها و حين كان الطب لم يخترع بعد, فكيف ؟!! أبقوة الإله السحرية الفائقة للطبيعة ؟ أم هي قوة الإيمان بإله ساحر فائق للطبيعة ؟

الغريب حقا أن هناك من يصدق القصة ( قصة قيامة المسيح من الموت ), و طبعا لم يتأكد أي مسيحي في العالم مثل توما من قيامة المسيح بتحسس مكان الحربة في جنبه ! يعني توما الذي شاهد بعينه معجزات المسيح و أعماله السحرية و الخارقة لم يصدق قيامة المسيح في البداية و لكن الناس العادية في عالمنا المعاصر التي لم تتعرف على معجزات المسيح إلا من خلال الحكايات و الأقاويل تصدق القصة و كأن إيمان المسيحي العادي أقوى من إيمان توما. و مع ذلك لا يستطيع أي مسيحي أن ينقل ريشة بقوة الإيمان فضلا عن جبل : يعني يحار المرء فيما إذا كان المسيحيين لديهم إيمان أم لا !!

و طبعا مع إستحالة نقل الجبال بقوة السذاجة فقط أو الإيمان على حد تعبير المسيح و مع صعوبة التصديق لقصص الأعمال الخارقة للمسيح يصبح المرء كافرا و خارج رحمة الله الذي بذل الغالي و النفيس و نزل من علياؤه و تجسد و صلب من أجل الناس الخطائين الفاسدين و ذلك كما يقول المسيح في إنجيل مرقس إصحاح 16 :

16 من امن و اعتمد خلص و من لم يؤمن يدن

فقط من يصدق القصص المسيحية و يستحم بالمياة أمام كاهن يتمتم ببعض الكلام الغامض هو من سيخلص و يذهب إلي المكان الجيد بعد الموت أما من لا يصدق فسيكون مصيره العذاب و الألم في جهنم.

فقط من يصدق و يستحم !!

لا أفهم لماذا يشجع المسيح السذاجة و قلة الشك ؟

و لا لماذا يدعم بقوة القدرة على التصديق رغم صعوبة الرواية ؟

هل ستكون الجنة أو ملكوت السماوات هي مكان للأغبياء و السذج و حسني النية فقط ؟

جنة الأغبياء : يا له من مكان !!!

لكن ما هي العقائد التي يؤمن بها المسيحيون ؟

تنقسم الأسطورة المسيحية إلي عدة عقائد أساسية و تمتاز دونا عن بقية الأديان بأن لها الكثير من العقائد الغامضة و المعقدة. تلك العقائد تكون قصة مترابطة واجبة التصديق لكل مسيحي و إلا أصبح مهرطقا و كافرا. و بالطبع تلك العقائد لا يمكن البرهنة عليها أو إثباتها بأي وسيلة فضلا عن انها تفتقر للمنطق الذي يجعلها ممكنة الحدوث. و لو إن القصة لها طابع شكسبيري محبب إلا أن العقائد تبدو مثل الأحجية و الإلغاز المستعصية على الحل. أما أهم تلك العقائد :

أ) وجود إله بخصائص معينة

تشترك المسيحية مع الأديان التوحيدية الأخرى في الإيمان بإله واحد إلا أنها تختلف في تفاصيل تلك الوحدانية و صفات الله عموما فبينما إمتنع الإسلام عن الخوض في ذات الله أفردت المسيحية بابا للمعرفة بالذات الإلهية و أسمته علم اللاهوت و بالطبع هذا ليس علما بالمعنى المفهوم لأي علم تجريبي آخر و إنما هو علم من وجهة نظر المسيحيين فقط.

و تشترك المسيحية أيضا مع بقية الأديان التوحيدية في نفس الإستدلالات الخائبة على وجود الله منها مثلا :

1- أن لكل موجود واجد و لكل مصنوع صانع

و لا مجال للكلام طبعا عن : من صنع الله ؟ بنفس هذا المنطق

2- نظام الكون الدقيق

و لا مجال للكلام طبعا عن : الفوضى العارمة في الكون و من خلقها

3- إنتشار ظاهرة التدين

و لا مجال للكلام طبعا عن : إنتشار ظاهرة العلمنة و اللادين

و مع إن الدلائل على وجود إله فائق للطبيعة قد تم قتلها بحثا و تم الرد عليها جميعا و تم تجميع تلك الردود في كتاب العالم الكبير / ريتشارد داوكنز : وهم الإله, إلا أن المؤمنين بالأديان عموما و المسيحيين خصوصا لا يزالوا يرددون تلك التبريرات و كأن لها معنى.

عموما الإله الذي يؤمن به المسيحيون يختلف عن أي إله آخر في أنه إله معقد و غامض ..

مثلا يقولون أن الله روح بسيط غير مركب, كامل في ذاته و غير محدود و غير متغير و لا يحصى و لا يعبر عنه. و هو سرمدي أزلي أبدي, حاضر في كل مكان و قادر على كل شيء و عالم بكل شيء ..

و لكن يبدو أنه لا أحد يسأل أسئلة بديهية من المسيحيين, مثلا :

ما هي الروح ؟ و كيف يكون الله روح بسيط و ليس مركب ؟

و كيف لا يمكن أن يعبر عن الله و لماذا نحن مطالبين بالتعبد له دون أن نعرف حتى ما هو ؟

كيف يعرف المسيحي و يتأكد ان الله سرمدي أو حاضر في كل مكان او قادر على كل شيء ؟

عموما تلك الأسئلة بلا معنى لأنه لا يوجد إله بالقطع, و صفات الله تزيده غموضا بأكثر مما تكشف عنه للناس.

و اما أكثر ما يميز الله في المسيحية فهو عقيدة التثليث :

المسيحيون يقولون أن الله يتكون من ثلاثة أقانيم بمعنى ثلاثة أشخاص : الآب و الإبن و الروح القدس

و مع إن الآب هو ذات الله و الإبن هو عقل الله و الروح القدس هو روحه إلا أننا نجد هؤلاء الأشخاص الثلاثة لهم إستقلالية كبيرة عن بعضهم البعض و لا يكونوا كلا واحدا مثل الشمس : نار و نور و حرارة

فنجد المسيح الذي هو الإبن المتجسد يصلي إلي الآب ليقيم لعازر و كأنهما شخصين منفصلين يملك كلا منهم ذاتا و عقلا و روحا مستقلا عن الآخر, و نجد المسيح يقول في بستان جثيماني لتكن إرادتك أنت لا إرادتي أنا و كأن هناك إرادتين واحدة للآب و الثانية للإبن. أما أوضح مثال على إستقلالية الأقانيم الثلاثة عن بعضها البعض لتكون ثلاثة آلهة و ليس إلها واحدا فهو معمودية يوحنا للمسيح حيث كان الإبن متجسدا في المسيح و الآب يقول : هذا هو إبني الحبيب الذي به سررت و الروح القدس متجسد في صورة حمامه ..

الثلاثة متجسدين في صور مختلفة و يتفاعلون مع بعضهم البعض بطريقة توحي بإستقلالية كل عنصر من عناصر الله في إله مستقل, و إلا فما معنى مباركة الآب أو الروح القدس للإبن. في الواقع إن عقيدة التثليث المسيحية لا يمكن البرهنة عليها إطلاقا و تبدو متعارضة حتى مع النصوص المسيحية نفسها.

و مع ذلك فإن اللبس و الغموض اللذين يميزان عقيدة التثليث بالذات لا أهمية لهما فمن الممكن ان نقول ان الله قد تجسد و أن جسد الله قد مات و جسد الله قد عادت إليه الروح و كل شيء بدون ان نذكر أيا من شعوذات التثليث و التوحيد. و لكن الكهنة و الآباء المسيحيون يأبون إلا زيادة المسيحية غموضا على غموض و ذلك لإبهار العامة و إثارة خيالهم. و ليس هناك من دليل على ذلك بأكثر من عقيدة إنبثاق الروح القدس من الآب عند الأرثوذكس و إنبثاقه من الآب و الإبن عند الكاثوليك : كنيسة كبيرة قومها ملايين البشر تختلف و تنقسم بسبب تفاهات عقيدية ..

يعني ما معنى أن الروح ينبثق ؟ و كيق ينبثق ؟ و لماذا ينبثق من الآب فقط أو من الآب و الإبن ؟

و ما أهمية كل تلك التفاهات التي بلا معنى ؟

ما الفارق بالنسبة لأي مسيحي إن كان الروح القدس المزعوم هذا ينبثق و لا يتوغل و لا يتسرب و لا ينتشر ؟

ما الغرض من كشف الله عن عقائد يحار فيها حتى المسيحيين أنفسهم و يختلفوا فيها و ينقسموا ؟

لقد إنقسم المسيحيون منذ المجامع المسكونية الأولى في كلام فارغ بلا معنى قوامه هل الإبن أعظم من الآب أم لا ؟

و هل الروح القدس ينبثق من الآب أم من الآب و الإبن ؟ إلي آخر تلك الشعوذات الأسطورية ..

و أما أصعب ما في الأمر فهو الديكتاتورية و التعنت في تفسير الآيات و تحديد العقيدة, لأن كل جماعة لا تؤمن بعقيدة الكنيسة تكون محرومة و مهرطقة و كافرة. لقد كان المسيحيون الاوائل من رواد التكفير في العالم.

و هكذا يقيمون المجامع و يشدون الرحال من أجل التداول في ماهية الله و كأن الله موجود فعلا و له ماهية فعلا.

ب) قصة الخلق و السقوط

بعد وجود الله و صفاته الجوهرية و الأقنومية و الخزعبلاتية تأتي رواية الخلق و السقوط, خلق آدم من طين و حواء من ضلع آدم ثم إستجابة حواء للشيطان و أكلها هي و آدم من الشجرة المحرمة.

و هي قصة تتعارض مع علوم كثيرة مثل البيولوجي و الأنثروبولوجي و غيرها, فضلا عن تعارض تيمات مثل الثعبان المتكلم و الملائكة و شجرة الحياة و شجرة المعرفة و الشجرة السحرية و ما إلي ذلك مع المنطق و العقل.

ت) تجسد الإله في المسيح

حيث يتنازل الله و يتجسد في شكل الإنسان هو المسيح مولودا من العذراء مريم التي حملت به بغير جنس و لا شهوة. و الإله المتجسد هنا لديه قدرات أسطورية خارقة و يقوم بأعمال سحرية مبهرة حيث يقيم الموتى و يشفي المرضى بكلمة او لمسة أو بمجرد إشارة منه.

تجسد الإلهة فكرة أسطورية قديمة من أيام الإغريق و المصريين و الهنود القدماء و ما قبلهم و لكن المسيحيين يعتبرون أن قصتهم خاصة و مميزة دونا عن كل قصص الأساطير الأخرى بغير سبب وجيه طبعا.

ث) الفداء

حيث أن المسيح صلب و مات و قام من بين الاموات ليفدي البشرية و يحييها معه. يا له من بطل أسطوري يضحي من أجل الإنسانية المعذبة. و لكن المشكلة أنه هو السبب أصلا في فساد طبيعة الإنسان لانه ترك الشيطان الخبيث الماكر يغوي الإنسان بينما وقف هو يتفرج و يتصنع العبط.

الفداء قصة يتثير العواطف و الوجدان كأي رواية شكسبيرية أخرى و لكنها مع الأسف أسطورة دينية أخرى مثل بقية الأساطير.

ج) يوم الدينونة

حيث أن المسيح سياتي في توقيت محدد سلفا لا يعلمه احد من الشرق كما ذهب إلي الشرق و يقيم الأموات من البشر عبر العصور و الأزمنة و عبر الكرة الأرضية لتكون الأرض مزدحمة عن آخرها بالناس العرايا كما ولدتهم أمهاتهم. ثم يبدأ المسيح في محاسبة الناس على إيمانهم و تصرفاتهم و سلوكهم في الحياة لأن الموضوع مهم و يصنع فارقا ضخما مع هذا الإله المتجسد.

بعد المحاكمة العادلة طبعا لكل البشر و التي ستستغرق زمنا وجيزا سينقسم البشر إلي مكانين : الملكوت و جهنم. لتنتهي بنا القصة عند هذا الحد و يبدأ عهدا أبديا من الملل و الرتابة في الملكوت و من الألم و العذاب في جهنم.

المسيحية برؤية ملحدة (جزء 1)

المسيحية ..

هي أكبر ديانة على وجه الأرض من حيث عدد التابعين الذين يبلغون أكثر من 2 مليار إنسان.

هي ديانة عمرها حوالي ألفي عام و تعتبر من أقدم الديانات في العالم.

تنتشر المسيحية في أوربا و الأمريكتين و شمال آسيا و جنوب غرب أفريقيا و أستراليا.

و مع أن الذين لا يؤمنون بالمسيحية في العالم هم اكثر بكثير من الذين يؤمنون بها إلا أن معظمهم من أتباع ديانات أخرى و ليسوا ملحدين أو حتى لادينيين. و قد تعرضت المسيحية للنقد من هؤلاء و أولئك, فالكثير من المسلمين قد إنتقدوا المسيحية و هاجموا الكثير من مزاعمها و لكن بوجهة نظر إسلامية. يعني مثلا حين ينتقدوا عقيدة التثليث المسيحية فهم ينتقدوها من زاوية الوحدانية الإسلامية لله الفرد الصمد. و حين ينتقدوا شريعة الزوجة الواحدة فهم ينتقدوها من زاوية إباحة تعدد الزوجات و هكذا. و مع ان الاوربيين قد مارسوا نقد المسيحية من وجهة نظر ملحدة في كثير من الاحيان إلا أن الثقافة العربية ينقصها مثل تلك الرؤى الملحدة خصوصا أن معظم الملحدين من اصل مسلم و ليس لديهم إطلاع كبير على المسيحية أو حتى ليسوا مهتمين بها. لذلك كان من المفيد كتابة نقد إلحادي للمسيحية عن طريق تفكيكها إلي عناصر أولية و من ثم غربلة كل عنصر من تلك العناصر.

من الممكن تفكيك الديانة المسيحية إلي عدة عناصر كالتالي :

1-     الأساطير

2-     العقائد

3-     التعاليم

4-     الطقوس

5-     التاريخ

أولا : الأسطورة المسيحية

تنقسم المسيحية في الواقع إلي ديانتان : اليهودية و المسيحية

و للديانتان كتابين : للأولى العهد القديم و للثانية العهد الجديد

و مع ان اليهودية لا تعترف لا بالمسيح و بالمسيحية إلا أن المسيحية و المسيحيين لا يزالوا يتمسكون بكل تفاصيل العهد القديم و يؤمنون بكل ما في هذا الكتاب أنه موحى به من الله شخصيا. و بالتالي فإن الأسطورة المسيحية تشمل الكتابين التوراة و الإنجيل و يعود الفضل لبولس الرسول في ربط السياق الدرامي للأساطير التوراتية بالأسطورة المسيحية في الإنجيل ليقدم لنا رواية شديدة الإثارة لها نكهة شكسبيرية هي قصة الخلاص.

و تتلخص قصة الخلاص لمن لا يعرف في الآتي :

هناك إله عظيم قوي قادر هو الله هذا الإله هو بطل الرواية حيث يبدأ الفصل الاول في التكوين على ان الله خلق السماوات و الأرض لكن في الفصول الباقية كما في أشعياء و دانيال و غيره يكشف لنا المفسرون المسيحيون عن قصة مثيرة وقعت قبل خلق السماوات و الأرض ..

حيث أن الله يبدو أنه قد سام الوحدة في وقت من الاوقات في زمنه الممتد إلي ما لا نهاية و قرر أن يخلق الملائكة و كان لديه ملاك رائع و جبار هو سطنائيل (زهرة بنت الصبح) و هذا الملاك جاء عليه يوم و فكر أن يتكبر و يتعالى على الله و لكن الله علم بما يدور في خلد الملاك سطنائيل و عاقبه و مسخه إلي شيطان ..

12 كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح كيف قطعت الى الارض يا قاهر الامم 13  و انت قلت في قلبك اصعد الى السماوات ارفع كرسي فوق كواكب الله و اجلس على جبل الاجتماع في اقاصي الشمال* 14  اصعد فوق مرتفعات السحاب اصير مثل العلي* 15  لكنك انحدرت الى الهاوية الى اسافل الجب

(أشعياء الإصحاح رقم 14 )

طبعا هناك من الملائكة من إتبع هذا الملاك الساقط فتم مسخهم أيضا و من هنا يبدأ التاريخ و يبدأ الصراع الطويل بين الخير المتمثل في الله طبعا و بين الشر المتمثل في الشيطان عدوه اللدود.

بالطبع يحزن الله قليلا ثم يقرر أن يخلق كائنا جديدا و يكون على صورته و مثاله و يرفعه فوق كل المراتب بدلا من الملائكة الساقطين و هكذا يخلق الإنسان بعد ان خلق له الكون كله ..

الله يشترط على الإنسان شرط واحد لإستمرار الود بينهما و هو أن لا ياكل من الشجرة التي في وسط الجنة لأنه يوم ياكل منها موتا يموت و لكن الشيطان يتحايل و يتجسد في صورة حية متكلمة و يغري حواء بالأكل من الشجرة و حواء بدورها تقنع آدم بالأكل منها و من ثم ينقطع حبل المودة بين الله و الإنسان و يضطر الله آسفا إلي طرد آدم من جنته الجميلة ..

و لكن الله يلعن الثلاثة وقتها و يعد بخلاص الإنسان في نفس الوقت :

14  فقال الرب الاله للحية لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم و من جميع وحوش البرية على بطنك تسعين و ترابا تاكلين كل ايام حياتك* 15  و اضع عداوة بينك و بين المراة و بين نسلك و نسلها هو يسحق راسك و انت تسحقين عقبه* 16  و قال للمراة تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا و الى رجلك يكون اشتياقك و هو يسود عليك* 17  و قال لادم لانك سمعت لقول امراتك و اكلت من الشجرة التي اوصيتك قائلا لا تاكل منها ملعونة الارض بسببك بالتعب تاكل منها كل ايام حياتك* 18  و شوكا و حسكا تنبت لك و تاكل عشب الحقل* 19  بعرق وجهك تاكل خبزا حتى تعود الى الارض التي اخذت منها لانك تراب و الى تراب تعود

( التكوين الإصحاح رقم 3 )

يقول المفسرون المسيحيون أن نسل المرأة يسحق رأس الحية تعني أن المسيح الذي هو من نسل المرأة سيسحق رأس الشيطان و تكون تلك اللعنة و النبوءة في آن واحد هي نهاية الفصل الاول ..

في الفصول اللاحقة الله يختار شعبا بعينه ليكون شعبه الخاص تحضيرا للبشر لميلاد المخلص المسيح و يرسل لهم أنبياء وراء أنبياء في طابور طويل لا ينتهي و من ثم يخطئ شعب إسرائيل مرات كثيرة و يقع في مصائب كثيرة فيرسل الله لهم مخلصين صغار ترميزا للمخلص الكبير الذي هو المسيح.

ثم في النهاية و في ملء الزمان يأتي المخلص مولودا من إمراة لم تمارس الجنس مع أي رجل ( هكذا يقولون ) و هذا المخلص الجبار هو المسيح : الله شخصيا يتدخل في القصة.

بالطبع الفكرة مثيرة و ترضي غرور الإنسان جدا و هذا ما يجعل لها جاذبية و يزيد من متعة الرواية فالمسيح له قدرات خارقة حيث يستطيع ان يشفي المرضى و يقيم الموتى و يعلم ما في العقول و القلوب و يتحكم في الطبيعة و المناخ و يمشي على المياة و يحول الماء إلي خمر و يخرج الشياطين و يغفر الخطايا .. ألخ

بالإضافة إلي أنه خطيب مفوه و مجادل بارع و حبيب النسوان ( حب من طرف واحد ) و إبن بار بأمه و قوي الشكيمة و وسيم طبعا .. بإختصار بطل من أبطال الأساطير الشرقية التقليديين. و لديه أيضا تعاليم خارقة في مثاليتها و كمالها و قد تصادف أن تلك التعاليم ملزمة لكل الناس لكي لا يدخلوا جهنم بعد قيامة الاموات ..

سنأتي لموضوع التعاليم بعد ذلك و لكننا الأن نستعرض قصة الخلاص المسيحية.

المهم ان المسيح يكمل مهمته الإنتحارية من أجل خلاص البشرية فيموت على الصليب ثم ينزل إلي الجحيم و يفك أسر الناس الموعودين بالخلاص ثم يصعد إلي جسده المدفون و يقوم من الاموات معلنا خلاص البشرية و الإنتصار على الشيطان و من ثم ..

يعدك المسيح أنه سينقذك من عذاب جهنم لو انك فقط آمنت به و إتبعت تعاليمه و كنت من أبناؤه المخلصين.

نهاية القصة : تصفيق حاد و تصفير .. برافو برافو

القصة جيدة بوجه عام ..

لها حبكة متكلفة و تبدو مثل الأفلام الهندي لكن بقية التسلسل الدرامي جيد و نكهة وليم شكسبير تفوح من كل حكاية في العهد الجديد بالذات. أما أكثر المواقف الدرامية التي تعجبني في تلك الرواية فهو موقفين على وجه الخصوص :

-         موقف قبلة يهوذا للمسيح في بستان جثيماني :

48  فقال له يسوع يا يهوذا ابقبلة تسلم ابن الانسان ( لوقا : الإصحاح رقم 22 )

هذا الموقف يذكرني برواية يوليوس قيصر لشكسبير حين يكتشف يوليوس قيصر أن بروتس هو أحد الذين يقتلونه فيقول له : حتى أنت يا بروتس .. إذن فليمت قيصر.

قبلة يهوذا و طعنة بروتس هما أكثر موقفان يرمزان للخيانة في التاريخ الدرامي كله و لذلك فإن هذة المواقف من المواقف التي لا تنسى من أي رواية ..

-         أيضا موقف الصلاة في بستان جثيماني :

39  ثم تقدم قليلا و خر على وجهه و كان يصلي قائلا يا ابتاه ان امكن فلتعبر عني هذه الكاس و لكن ليس كما اريد انا بل كما تريد انت

( متى – الإصحاح رقم 26 )

هذا الموقف يذكرني برواية هاملت لشكسبير أيضا حيث يقول هاملت : أكون أو لا أكون .. تلك هي المسألة

الموقفان لهاملت و المسيح يكشفان الصراع الوجودي داخل النفس البشرية حيث يصارع بطل القصة نفسه لكي يقبل المهمة الملقاة على عاتقه. فالمسيح في رواية الخلاص يصارع نفسه لكي يقبل المهمة الإنتحارية الموكلة إليه حيث الصلب و المهانة من أجل خلاص البشرية و هاملت يصارع نفسه من أجل مهمة الإنتقام من عمه قاتل أبيه ..

يعني المسيح هنا يشبه يوليوس قيصر أحيانا و يشبه هاملت أحيانا أخرى و يشبه هرقل بطل الأساطير في أحيان ثالثة و بالتالي فإن القصة لها نكهة شكسبيرية جميلة و بناء درامي رائع و صراع وجودي للبطل مع ذاته و مهمة إنتحارية و صراع بين الخير و الشر ..

قصة ممتازة و ينقصها فقط أن تكون حقيقية ..

المسيحية يمكن تلخيصها بأن المسيح قد ولدته أمه بعد أن تزوجت من إله و الذي يستطيع أن يجعل أي إنسان يحيا للأبد لو تناول من بعض الخبز و الخمر الذي يتحول إلي لحمه و دمه و أخبره بطريقة تخاطرية أنه قد قبله ربا و سيدا.

هذا المسيح قد أرسله والده في مهمة إنتحارية لإصلاح الطبيعة البشرية التي فسدت حين خدع ثعبان متكلم إمرأة مصنوعة من ضلع رجل و جعلها تأكل تفاحة من شجرة سحرية. كل المسيحيين يؤمنون بقصص الثعبان المتكلم و الشجرة السحرية و الخبز الحي و الدم المحيي و المهمة الإنتحارية التي جاء المسيح من اجلها.

القصة صعبة التصديق و لا يمكن ان تكون قد حدثت فعلا بكل تأكيد و لكنها قصة جميلة و خيالية على أي حال و بناءها الدرامي ممتاز و مطعمة بلاهوت غامض و تعاليم بوذية الأصل فيكون الناتج النهائي هو المسيحية كما يقدمها لنا المذهب الكاثوليكي بالذات.

بالطبع هناك من يحب الأفلام و الأساطير الهندية و هذا من حقه و لكن من يحتمل إنسانا يصدق أن أميتاب باتشان يستطيع ضرب مئات من اعداؤه بقبضة عارية أو أن سوبرمان حقيقي أو ان كل الأبحاث العلمية و المعملية قد أثبتت أن سبايدر مان موجود فعلا ..

الخيال مقبول كخيال, يمتعنا كخيال و يوحي إلينا بأشياء في الواقع, لكن تجاهل الواقع و تصديق الخيالات هو قلة تكيف مع الواقع و قلة شجاعة أيضا. و بالطبع يصم صاحبه بالعته و الجنون.

إن المسيح كبطل رواية شكسبيرية هندية الأصل هو بطل جذاب و محبوب و لكنه لا يتعدى أن يكون بطل قصة خيالية. لا يمكن لاحد ان يتعبد لهرقل في الزمن الحالي لأن من المعروف أنه خيال فقط. لكن هناك مع ذلك في العالم الكثير من الأطفال الكبار الذين يؤمنون فعلا بأن المسيح كان يمشي على الماء و يقيم الموتى.

ربما كان المسيح موجودا و ربما لم يكن, فالتاريخ و المؤرخين لم يحسموا أمرهم بهذا الخصوص بعد و هناك فيلم مثل zeitgeist يقدم رؤية لها إعتبارها تفيد بان المسيح لم يكن موجودا قط. لكن على أي حال حتى و لو كان موجودا فلا يمكن أبدا أن يكون هو المسيح الأسطوري صاحب المعجزات و الخوارق ..

أتصور أنه إنسان يهودي بسيط سافر للهند و أعجبته التعاليم البوذية فراح يعلمها لليهود و هو يجادلهم من التوراة لكي لا يتم فضح أمره (لأن اليهود متعصبين للغاية لدينهم) فإتبعه العديد من الناس و ظنوه إلها .. هذا كل شيء و القصة في هذا الإطار تبدو منطقية جدا. أما ما عدا ذلك فالقصة لا تحتمل ان تكون حقيقية لأنه بجانب أنها أسطورية هناك الكثير من الثغرات المنطقية فيها ..

مثلا لماذا خلق الله المخلوقات إن كان لا يحتاجهم ؟ و لماذا خلق الشيطان و هو يعرف أنه سيخطئ ؟ و لماذا لم يقتله او يسجنه في بداية القصة إن كان يستطيع ذلك ؟ و لماذا تركه يغوي الإنسان ؟ و لماذا لم يسامح الإنسان بدلا من إرسال نفسه في مهمة إنتحارية بعد آلاف السنين ؟

طبعا هذا بجانب : كيف كان المسيح يمشي على الماء ؟ و كيف يكون الخبز و الخمر هما جسده و دمه و هو جالس و سليم في العشاء الرباني ؟ و كيف أنجبت مريم المسيح بدون ان تمارس جنسا ؟ و كيف تم تحويل الماء إلي خمر في عرس قانا الجليل ؟

المرء يستطيع أن يسأل العديد و العديد من أسئلة “لماذا” ؟بجانب المئات من أسئلة “كيف” ؟ و لن يجد إجابة على أيهما.

في النهاية لا يمكن للمرء أن يتخطى فترة المراهقة إلا و هو كافر بالمسيحية ..

ما بعد الإلحاد

ما هو الإلحاد ؟

الإلحاد في البداية هو رفض الأديان و إنكار الألوهة ( التأله أو وجود الآلهة ) ..

و لكن هذا ليس كل شيء ..

بمد هذا الخط إلي نهايته سيكون الإلحاد هو إنكار كل ما يفوق الطبيعة,و هذا يتضمن الروح و الجن و العفاريت و الأشباح و السحر و التنجيم و التنبوء و ما إلي ذلك. و الأفضل هو أن يتخذ الملحد موقف سلبي من كل الخرافات و الأساطير فيتحرى الحقيقة في كل معلوماته. لكن كل هذا لا يجعل الإلحاد أكثر من موقف رافض و سلبي, موقف سلبي من الأديان و الآلهة و مايفوق الطبيعة و الخرافات و الأساطير و لكنه موقف سلبي على أي حال.

أما أكثر ما يجعل الإلحاد موقف إيجابي فهو ان يتبنى العلم كمرجعية أساسية و ربما وحيدة له. و للعلم فلسفة, تلك الفلسفة تقوم على الشك و التجريب في كل المعارف حتى يثبت العكس, و هذا منهج رائع لمن يريد أن يتحرى الحقيقة. و من زاوية أخرى فإن تلك الفلسفة قد تأسست على الرؤية المادية للوجود و الطبيعية للحياة و لذلك فمن الممكن القول أن الإلحاد هو فلسفة علمية تجريبية مادية طبيعية ..

و هكذا يتم تجاوز الإلحاد كموقف بسيط هو مجرد رفض الأديان و إنكار فرضية وجود إله إلي فلسفة متكاملة للمعرفة و الحياة. موقف علمي تجريبي مادي طبيعي ..

بالطبع هناك من الملحدين من هو أكثر روحانية من المؤمنين بالأديان و الآلهة أو من هو ملتزم بأخلاقيات و مبادئ مختلفة عن أخلاق الأديان و لكن هذا لا ينفي عن الملحد أنه مادي لأن الملحد لا يمكن له الإعتراف بوجود الروح بدون الإعتراف بوجود آلهة.

على كل حال لا يمكن القول أن كل الملحدين هم فلاسفة أو أخلاقيين أو علميين لأن هناك من الملحدين من هو غير مثقف و غير أخلاقي أو حتى شرير و مجرم. التنوع موجود في كل فئات الناس : تلك حقيقة لا يمكن انكارها. ربما فقط يمكن للملحد أن يجادل بأن نسبة المجرمين عند الملحدين هي أقل بكثير من نسبتهم عند المؤمنين بالأديان و الآلهة. كما يمكنه أن يؤكد بأحصائيات شائعة أن نسبة الملحدين من العلماء و المثقفين مرتفعة جدا. و هذا لا ينفي طبعا وجود نماذج من الملحدين أشبه بالمتدينين أشد الشبه.

الإلحاد و الاديان

في بعض الأحيان يقع الملحدين في أسر الأديان حتى بعد رفضها و قد يدور الكثير منهم في فلك الآلهة و خيالات ما فوق الطبيعة حتى بعد التأكيد على أنها مجرد خرافات. يعني قد نجد شخصا ملحدا و لكنه متبحر في المعارف الدينية ( لا أقول العلوم ) و يحفظ الكثير من النصوص الدينية و دارس مجتهد في تفاسير و أحكام دينه السابق. صحيح أن الملحدون يحتاجون لمثل هؤلاء لتكوين جبهة للدفاع عن الإلحاد كموقف عقلاني و أمين بل و التحدث بلسان حال المتدينين لتوضيح و تبرير الإلحاد كفكرة لها أساس في النصوص الدينية نفسها, إلا أن هذة تضحية كبيرة من هؤلاء و تكشف عن تعاطف كبير من هذا الملحد مع الواقعين في أسر الأديان و الإصرار على إجتذابهم للإلحاد.

ربما يكون من الأفضل للملحد أن يتجاهل الأديان تماما و يتخطاها على أساس أن الأديان مضيعة للوقت و الجهد.

أكيد أن هناك زاوية أخرى للموضوع بجانب أن الأديان خرافية و بجانب ان هناك بشر مثلنا يعتنقون تلك الخرافات أو واقعين في هواها و تلك الزاوية هي أن الأديان قد أثرت في وعي و تاريخ البشر على مر العصور و دراستها أمر مهم لكي نتعلم من اخطائنا و نتخطاها بل و نحاول أن نفهم اكثر عن الطبيعة البشرية و كيف تطورت عبر التاريخ ..

لذلك فالخوض في الجدل الديني هو تضحية محترمة من اجل إنقاذ المؤمنين بالأديان و من أجل أن يتعلم الملحدين أكثر عن تاريخ و طبيعة البشر. و بالطبع سيقدم الملحد فهم علماني و عقلاني للأديان و لنصوصها و لآلهتها و هذا في حد ذاته تنقية للعالم من الاديان و خطاياها.

و لكن مع ذلك فإن الخوض في العلوم و محاولة تبسيطها ربما يكون أكثر جدوى و أهمية من الخوض في الأديان و محاولة تفنيدها. الأديان على كل حال لا تحتاج إلي تفنيد لانها تفند نفسها بنفسها و لا يمكن لإنسان أمين مع نفسه بشكل كافي أن يتحملها على عقله أو ضميره. الناس محتاجين للخروج من فلك الأديان للدوران حول العلوم و وقتها سيكون الإلحاد متاحا و سهلا, أي إنسان لن ينبذ نصوصه الدينية و يتوقف عن محاولة تبريرها إلا لو كان أمينا مع نفسه و لديه النية لأن يعرف الحقيقة أيا كانت. الخلاصة أن التكلم بلسان المؤمنين بالأديان لن يفيد أحدا و لكن تبسيط نظريات مثل نظرية التطور و إتاحة الأدلة عليها لكل الناس سيعلم الناس الإلحاد بالضرورة و سيتيح لهم بديلا علميا راقيا عن نصوص قديمة و مهترئة و خرافية بالكامل.

الدين يعتمد على خداع المرء لذاته و هذا مرض خطير لن ينفع معه عقل و لا منطق و الأفضل أن نترك المؤمنين بالأديان لحالهم و نحاول ان نبني مجتمعا جديدا على أنقاض المجتمع الحالي المبني على الكبرياء الديني المخادع للذات.

مجتمع للملحدين حيث العلم التجريبي و الفكر الحر هم لسان حالنا, مجتمع يخلو من التعصب و العنجهية و ضيق الأفق و الإستعباد للخرافات, مجتمع حديث و راقي.

بما أنه لا يوجد آلهة

الأفضل هو تكوين أساس معرفي ينطلق من أنه لا يوجد آلهة, فبما انه لا يوجد آلهة إذن كل البشر أحرار ليفعلوا ما شاءوا و يسلكوا كما يشاءوا. و بما انه لا يوجد آلهة فكل ما يمكن ان يحدث يجب ان نفعله بأنفسنا ..

ان الملحد محظوظ بتحرره من القيود الدينية و الخرافات الإلهية, و لدينا هنا قاعدة ممتازة للبناء عليها و هي أنه لا يوجد إله. لأن الكون و الوجود الموجود بواسطة إله يختلف جذريا عن الكون المادي الطبيعي الذي نعرفه جيدا.

في كون موجود بواسطة إله كل الاحداث هي معجزات و لا يمكن توقع أي شيء لأن الكائنات الخارقة ( الآلهة و الملائكة و الشياطين و الجن ) من الممكن أن تتدخل في كل صغيرة و كبيرة. أما الكون المادي الطبيعي فله قوانين ملزمه حتى و إن لم نعرفها كلها و له منطق و من الممكن فهمه و السيطرة عليه.

يعني بما انه لا يوجد إله نستطيع ان نقوم بأي شيء دون أن يردعنا رادع إلا قيمنا و معاييرنا الشخصية ..

و بما أنه لا يوجد إله فالكون كله ملكنا نستطيع ان نضع أيدينا عليه و ننهل منه كما نريد ..

و بما انه لا يوجد إله فنحن آلهة أنفسنا و سعادتنا و مصلحتنا هم كل شيء.

الآلهة عائق منيع أمام المعرفة و التمدد في هذا الكون الواسع و فناء تلك الآلهة يعني أن كل شيء مباح و كل شيء ممكن. بالطبع التحرر من الأديان و الألوهة لا يعني أن يعاند المرء الوصايا الدينية أو الثقافة الدينية على طول الخط ..

في الواقع أن الملحد المعاند للأديان أو الآلهة هو متدين بإمتياز و صورة بالنيجاتيف للمؤمن المثالي. الإلحاد على حقيقته لديه هوية خاصة للملحد حيث يتحرر من الوصاية الدينية و من الغضب تجاه الدين و المؤمنين و الآلهة. هذا الغضب تجاه الآلهة و المؤمنين بالآلهة يعوق الملحد من التعرف على الإلحاد الحقيقي حيث الحرية و الثقافة و العلم.

يعني بما انه لا يوجد آلهة إذن فمعاندتها لن تفيد أحدا و لا تهم أحدا و إنما الأفضل أن يلتفت المرء لذاته و يكون إله نفسه يثقفها و يربيها و يطورها و يحبها و يدمجها في المجتمع بطريقة صحية و عقلانية. لكن الإلحاد المعاند للدين هو إلحاد زائف و يخلو من المعنى, إلحاد قوامه الغضب و ليس البحث عن الحقيقة.

نعم, فالملحد الحقيقي لديه من الأخلاقيات و القيم ما جعله يترك الأديان جميعها لأنها لا تليق به و ليس لأن الأخلاقيات الدينية التي هي بدائية و رجعية كثيرة أو صعبة عليه. عموما هناك من الملحدين هذا النوع و ذاك و على المرء أن يجتهد ليكون مثالا جيدا لغيره و أن يعكس صورة جيدة و إنطباع مقبول لأفكاره و قيمه ..

لكن العيش في غضب من الإله هو صورة معكوسة للعيش في خوف من الإله و الإثنان يدوران في فلك الإله. أما الصحيح فهو أن نترك الآلهة تماما بل و نترك الوجود الميتافيزيقي برمته و نهتم بالواقع و بأنفسنا بدلا من ذلك ..

من الطبيعي طبعا أن يشعر الملحد في بداية إلحاده بالغضب تجاه الاديان التي خدعته و مكرت به و جعلته يبدو مغفلا و هو يمارس أنشطة سخيفة بلا معنى و من الطبيعي أن يمضي بعض الوقت في نقد الأديان و هجاؤها بنفس الطريقة الدينية في النقد و الهجاء و لكن إلي متى .. ؟!!

بعض الوقت قد يكون كافيا للتنفيث عن الغضب و لكن الكثير منه يعتبر أكثر من اللازم و إذا كنا نطالب المؤمن بالشجاعة و نبذ الخوف من الآلهة و الخوف مما بعد الموت فبالأحرى علينا ان نطالب أنفسنا بالكف عن الغضب من الآلهة و النقمة على الأديان و المتدينين ..

فليكن كل ملحد على ثقة أن الزمن سيتكفل بكل مؤمن بأي خرافة لأن العلم ينتصر لا محالة : هذا هو قانون التطور و مستقبل الإنسانية. و لنترك المؤمنين بالأديان في حالهم و نناقش نحن إلحادنا و مشاكلنا فيما بعد الإلحاد و لنحاول ان نجاري التطور المعرفي في ضوء إلحاد حقيقي غير واقع في حبائل المعارف الخرافية القديمة المسماة أديان.

ماذا بعد الإلحاد ؟

إذن يحق لنا أن نترك الأديان و الآلهة ثم نترك حتى الإلحاد لنلتفت إلي ما هو هام و نافع. و على هذا الأساس يمكن تقسيم الإلحاد إلي إلحاد إيجابي و إلحاد سلبي ..

الإلحاد السلبي هو الإلحاد الدائر في فلك الاديان يناقش النصوص الدينية و يدرسها و يسعى لتفنيدها فنجد إنسان عمر إلحاده أكثر من عشرون عاما و لكنه بعد هذا العمر مازال يجادل بأن الأديان على خطأ و ان الله غير موجود ..

و بعد ..

العبور من الإلحاد كموقف سلبي إلي الإلحاد كموقف إيجابي يعني الخروج من الدوران في هذا الفلك و البدء في الدوران حول نجم آخر يسطع و هو العلم ..

تقديس رجال الدين سيتحول وقتها إلي إحترام العلماء ..

و المناقشات الدينية – اللادينية ستتحول إلي مناقشات لادينية – لادينية ..

الحقيقة أن الجدل الديني – اللاديني عقيم و يعتبر مضيعة للوقت لان لا أحد يسمع الآخر : هناك قطيعة معرفية بين عقلية الإيمان و عقلية العلم. و لذلك فمن الاولى التحول إلي الحوار اللاديني – اللاديني الذي هو أكثر جدوى و موضوعية و أهمية ..

مناقشة الأخلاق و ما هي المرجعية الأخلاقية للملحد يعتبر أمر مهم للغاية ..

مناقشة النظريات العلمية و الادلة على صحتها و تبادل المعلومات بهذا الخصوص هو أمر مهم آخر ..

مناقشة المذاهب الفلسفية الملحدة و هي كثيرة جدا و تعبر عن رؤى متضاربة للوجود و الحياة هي مناقشة أساسية.

تبادل الآراء و المعارف و الأفكار هي أمر مهم و أساسي لأي مثقف او متنور و لكن ما الذي يجعلنا نتبادلها مع ناس ( مع الأسف ) مقيدين و واقعين في أسر أفكار خرافية قديمة. العبور فوق الأديان و الألوهة يتطلب معاناة و تغيير و تفكير و بحث كثير, و الخروج من الدين يجعلنا نولد من جديد : عرايا و محتاجين للمعرفة ..

أن نعرف الأخلاق و العلم و الفلسفة و الإجتماع و النفس البشرية من منظور علماني لاديني لا ألوهي.

الأفضل هو أن نتجاوز الإلحاد نفسه كموقف من الدين و الألوهة بتعميم الإلحاد على ما هو خرافي و فائق للطبيعة  و غير علمي ثم محاولة التعرف على العالم و الذات بهذا الفهم الجديد الرائع. ما يجب أن يأتي بعد الإلحاد هو محاولة التعلم و الترقي في العلم و المعرفة ..

الإلحاد ليس نهاية المطاف بل البداية .. البداية فقط.

لا يستطيع المرء أن يخوض في العلم و الفلسفة و الاخلاق و هو واسع الأفق و مفتوح الصدر ما لم يكن ملحدا و لكن الإلحاد وحده ليس شيئا ما لم يخوض المرء في تلك المعارف و العلوم. المعرفة قوة .. قوة للعمل و الفعل, و لذلك يجب ان نؤسس مجتمع جديد يعتمد على معارفنا و فهمنا الجديد. مجتمع يحترم التنوع و الإختلاف, مجتمع جديد يسع الجميع في رحابة صدر و يرفع من قيم العلم و الحرية.

النظريات الدينية vs النظريات العلمية

قد يعتبر البعض أو الكثير من الناس أن وجود الله حقيقة لا تقبل الجدل ..
في الحقيقة إن وجود إله هو نظرية واحدة من مجموعة نظريات مركبة تتبناها معظم الأديان :
- نظرية خلق الكون من عدم
- نظرية خلق الإنسان من طين
- نظرية وجود إله
- نظرية أن الخالق هو الإله و الإله هو الخالق
- نظرية الوجود الفائق للطبيعي
(وجود الآلهة و الملائكة و الشياطين و الجن و حدوث المعجزات و الخوارق و ما إلي ذلك)
- نظرية وجود بعث و حياة بعد الموت للإنسان فقط
- نظرية الاهمية الفائقة للإنسان عند الإله الخالق
- نظرية وجود حساب على عقائد و سلوكيات الناس بعد البعث
- نظرية وجود الجنة و جهنم
تلك هي أهم النظريات التي تتبناها الاديان و تروج لها على انها حقائق مؤكدة لا تقبل الشك.
و هي نظريات لو تم تجميعها لكونت قصة مسلية عن الحياة و الوجود قوامها الآتي :
هناك إله لديه القدرة على الخلق, خلق الكون من عدم و خلق الإنسان من طين و خلق الملائكة من نور أو نار او كليهما (الأساطير تختلف) و هذا الإله يفوق الطبيعة لانه صانعها و يهتم جدا بالإنسان دونا عن كل مخلوقاته و لذلك سيبعث الناس بعد الموت ليحاسبهم على سلوكياتهم و إيمانهم ليدخلهم الجنة / الملكوت او جهنم …
عند هذا الحد تنتهي القصة و تبدأ الأسئلة.

هل هناك أدلة ؟

و اول و اهم سؤال هو : ما الدليل على أن أيا من تلك النظريات صحيح ؟
طبعا كل من يعترض على نظرية التطور يقول أننا لم نكن موجودين لآلاف السنين لكي نشاهد حدوث التطور و بالتالي ليس من حقنا ان نؤكد ذلك و يتجاهلون جبال الادلة على حدوث التطور ..
و لكن نظرية الخلق من عدم أو الخلق من طين لا يدعي أحد انه قد شاهدها بعينه و لكنه مع ذلك يؤكد حدوثها.
و بلا دليل …
الفكرة هي أننا أمام مشكلة :
الكون موجود و الإنسان موجود .. كيف أتى كلا منهما للوجود ؟
هناك نظرية الخلق من عدم و الخلق من طين و هناك نظريات الإنفجار الكبير و بقاء المادة و التطور و ما إلي ذلك ..
الأولى نظريات بلا دليل تم إقتراحها في كتب صفراء متحفية من العصور القديمة و الوسطى ..
نظريات تحاول أن تفسر كيف اتى الكون للوجود من خلال قصص خيالية و أساطير شعبية ..
و الثانية نظريات مبنية على الكثير من الادلة يعكف آلاف العلماء يوميا على التحقق منها من اجل معرفة الحقيقة وراء نشاة الكون, و نشاة الحياة ..
الاولى هي دين مبني على الإيمان بغير دليل ..
و الثانية هي علم مبني على الادلة بغير إيمان ..
بالطبع القصص الدينية اكثر بساطة (و سذاجة) من القصص العلمية, فالأولى مثل حكايات قبل النوم فيها رجل طيب ملتحي لديه قدرات خارقة و يحب الإنسان حب عظيم بلا سبب و بنى له الكون ليعيش فيه ..
و الثانية نظريات معقدة تحتوي على معادلات و أبحاث و دراسات و إحصائيات و ترجيحات و في النهاية يقول العالم ان معلوماته ليست نهائية و أن من الممكن لاي شخص أن يكتشف خطأ أو نقص فيها او ان يضيف عليه أشياء.
من الطبيعي و المنطقي ان تجتذب النظريات الأولى البسطاء و أن تجتذب النظريات الثانية الأذكياء ..
من يريد التعقيد و الحذلقة العلمية على أي حال !!

الإيمان باب الجنة

لكن الجميل في الامر ان هناك من يكترث للحقيقة و يكترث للعلم و يكترث للحياة ..
متواضعين أمام الحقيقة و مجتهدين للحصول عليها ..
أما الكبرياء و الكسل فيؤديان إلي الجهل و خداع الذات.
هذا الكبرياء و تلك الشيخوخة التي تصيب الناس مرجعها وهم المعرفة المسمى إيمان.
أنا أؤمن يعني أنني أرفض ان اتعلم شيئا جديدا ..
أنا أؤمن يعني ان الحقيقة قد أصبحت في جيبي و لا حاجة بي للبحث عنها.
أنا أؤمن يعني أنني أرفض المراجعة و التجريب و تجديد معارفي ..
أنا أؤمن يعني أنني لا اتعاطى مع المنطق او العقل أو العلم ..
فالإيمان هو أن أصدق بلا سبب ..
هذا عن الإيمان من حيث المبدأ ..
أما عن الإيمان بالآلهة و الجنات و الملائكة و الشياطين و ما إلي ذلك فهو أمر آخر ..
يعني إذا كان الإيمان بوجه عام كسل فالإيمان بالتفاهات سفه و رعونة ..
و لا يمكن ان نعرف أبدا لماذا يكون للإيمان كل تلك الاهمية في الاديان ؟
في المسيحية : آمن فقط فتخلص و من آمن و إعتمد خلص
في الإسلام : من آمن بالله و اليوم الآخر و من آمن بالله و رسوله حسب من اهل الجنة
لا افهم ما هي اهمية الإيمان الفائقة تلك ؟
وجود إله حي و عاقل خالق للكون من عدم : هو نظرية لا أكثر ..
و الإيمان بأي نظرية لا يمكن ان يعد مقياسا لأي شيء ..
لا نظرية الخلق و لا نظرية التطور و لا أي نظرية ..
تتفوق فقط نظرية التطور على الخلق بانها تنتمي للعلم و الحقائق العلمية بأكثر من نظرية الخلق.
يعني المسألة ليست إيمان ضد إيمان بل هي إيمان ضد تجريب و إختبار و تحقق من صحة الأشياء.
و كما قال المسيح : طوبى لمن آمن و لم يرى, يعني طوبى لمن صدق الأشياء بغير أن يتحقق منها.
الدين يدعو الناس للتسليم الأعمى و التصديق بغير سبب سواء بنظرية خلق الكون من عدم او بنظرية وجود إله او بنظرية الوجود الفائق للطبيعي عموما ..
لكن كلها نظريات .. مجرد نظريات, بل و نظريات غير علمية بالمرة و هي نظريات قديمة قد تم إثبات بطلانها.
لكن تصديق مثل تلك النظريات المفروض انه يدخل الجنة .. مجرد التصديق الأعمى.
و كانها جنة للاغبياء الغير شكاكين ..

عفوا .. السذاجة باب الجنة

لا أعرف لماذا ترفع الأديان من اهمية عدم الشك و التفكير الجامد, هذا ضد المنهج العلمي بوجه عام.
و لا لماذا تؤكد على الإيمان الأعمى بدلا من ان تؤكد على الشك و التفكير و التجريب ..
الإنسان كائن غامض في أحيان كثيرة و يتصرف تصرفات غريبة ..
يقيم أديانا قوامها قصص خرافية صعبة التصديق و تعتمد بالكامل على تصديقها ..
القدرة على تصديق ما لا يمكن تصديقه عقلا هو لب الدين.
من يستطيع أن يصدق ان المسيح قد قام من الاموات بعد موته يكون متدينا ..
و من يستطيع ان يصدق ان محمد قد طار في الهواء و زار السبع سماوات يكون متدينا ..
و من لا يستطيع أن يصدق ينبذ و يعتبر كافر ..
سلوك إجتماعي غريب و غير مفهوم.
لماذا يهتم الناس بتصديق ما لا يمكن ان يصدق ؟
لماذا يعتبر الإيمان هو باب الجنة و الشك هو باب جهنم ؟
لماذا يعتبر عدم إعمال العقل ميزة يثاب عليها المرء ؟
لا أعرف و لكن مما لا شك فيه ان التدين هو سلوك غير عقلاني و يعتمد على العاطفة بدرجة كبيرة و لذلك من السهل ان يكون غير مفهوم و غير منطقي ..
لذلك فإن رفض التصديق الأعمى عموما و الإيمان بالخرافات هو أول السلم دائما و ليس آخر المطاف ..
في البداية ينكر المرء الخرافات ثم يلتفت للحقائق بعد ذلك ..
صحيح أننا يجب أن نتكيف مع الحقائق الموجودة إلا ان تحويل هذا التصديق المبني على الشك و التجريب إلي إيمان آخر يحول دون ان نكون علميين و باحثين عن الحقائق.

الإلحاد أول الطريق

يعني رفض الإيمان بنظريات وجود الإله و الخلق و الوجود الفائق للطبيعي هو بداية الطريق.
بعد ذلك نبدأ في تجميع الحقائق و نكون على إستعداد لان نحدث معلوماتنا اولا بأول ..
فنصدق نظرية التطور لان العلم و العقل يدعمانها و نرفض تصديقها لو نبذها العلم.
لكن المهم أن يتمتع المرء بحس تمييز الخرافة من الصدق ..
فنظرية خلق الإنسان من طين بواسطة إله ساحر و خارق هي نظرية عقيمة و باطلة بكل وضوح.
أسطورة و لها منشأ طبيعي جدا في وعي البشر ..
لكن ماذا يترتب على رفض الأساطير و الخرافات و الاديان و البدأ في تصديق العلم و إتباع المنهج العلمي ؟
النتيجة هي ربط حياتنا بالحقائق و تأسيس قيمنا على الواقع المعاش.
النضج الفكري هو سمة عصر العلم ..
و إذا كان العلم يملك الأدوات و مؤهل لسحق الخرافات و الهراء الفكري و المعرفي فالمسألة إذن مسألة وقت حتى يستتب الامر للعلم و العلماء.
لكن إذا كان العلم يؤدي إلي الإلحاد فما الذي يؤدي إليه الإلحاد ؟
أعتقد ان الإلحاد يؤدي بصاحبه للعلم لأن العلم و الإلحاد مرتبطان جدا.
الإلحاد يتبعه البحث عن فلسفة علمية في معظم الاحوال مثل الماركسية
أو روحانية عميقة مثل البوذية,
أو علمية أخلاقية مثل الإنسانية ..
الإلحاد يتبعه البحث و التجريب كما يسبقه البحث و التجريب.
الإلحاد ليس نهاية المطاف بل هو بداية لإعمال العقل و بعد ذلك فالطريق أمام الملحد يكون طويلا لمعرفة الحقائق.
اللاأدرية أيضا مثل الإلحاد تعتبر أن البحث في الإلهيات و الوجود الفائق للطبيعي يفوق المعرفة البشرية و لا يمكن البرهنة عليه و بالتالي لا حاجة لنا به ..
يعني ما بين تحييد النظريات الدينية (اللاأدرية) و رفضها (الإلحاد) يستطيع المرء ان ينتبه إلي ما هو مهم فعلا و حقيقي فعلا ألا و هو العلم الحديث و الرابطة الإنسانية.
لكن الوقوع في أسر النظريات الدينية هو سجن المرء لذاته في العصور القديمة و الوسطى.
النظريات الدينية تنفع الكسالى و محدودي الذكاء لكنها لا تنفع كل من له طموح للمعرفة و الإطلاع.
النظريات الدينية لا يمكن البرهنة عليها و لا تهتم أساسا بالبراهين لأنها تداعب غرائز البشر و آمالهم في السلطة و الخلود و التعويض بعد الموت, لكن هيهات ..
العلم هو الذي يبني بيوتا لا عماد لها و الجهل هو الذي يهدم بيت العز و الكرم.

هل الله معقول ؟

الله و الإنسان

الله و الإنسان

هل الله معقول ؟

الله لم يره أحد لكن الناس عرفوه بالعقل ..

تلك الجملة شائعة على أفواه الناس, يقولونها دون فحص او تمحيص.

لأن سؤال : هل الله معقول ؟ إجابته لا يمكن أن تكون محددة أو ثابتة.

فتارة يقول البعض أن الله معقول :

لان العقل السليم يفترض وجود خالق لكل شيء و إله مدبر يملك و يحكم الوجود كله .. ألخ

و تارة أخرى يقولون أن الله ليس معقولا :

لأنه يفوق قدرة العقل البشري على الإستيعاب و يفوق الخيال و التصور.

طبعا في القولين تناقض واضح يجعل الجمع بينهما هو الجنون بعينه ..

و هذا يعني ان المؤمنين بوجود الله الإبراهيمي هم مجانين دون شك.

الله لا يمكن ان يكون معقول و غير معقول في نفس الوقت بحكم المنطق و العقل نفسه.

فإذا كان الله بكل صفاته المتفق عليها مقبول عقليا بل و لازم لتفسير الوجود إذن فهو معقول و يمكن تصوره.

أما إذا كان يفوق التخيل و التصور و الفهم فهو غير معقول و المؤمن به لا يمكن أن يتحدث عن عقل او معقولية.

فعلى المؤمن بوجود إله أن يختار إذا كان يعتبر الله معقولا أم يفوق العقل لكي لا يحسب مجنونا.

أما الجمع بين الإثنين فلا محل له من الإعراب.

الله لا يعقل

في الحقيقة أن الله غير معقول لأسباب كثيرة ..

ليس لأن الله يفوق قدرات العقل البشري على الإستيعاب و يفوق التخيل و التصور و ما إلي آخر هذا الهراء.

بل لأن الله يجمع بين المتناقضات بطريقة تجعله مستحيل الوجود.

-    الله حي و لكنه لا يموت

مع إن كل حي يموت و كل ميت كان حيا إلا أن من صفات الله أنه يجمع بين التناقضين : حي و لا يموت.

طيب كيف يكون حيا و ما معنى حياته إن لم يكن سيموت ؟

و كيف يعقل أنه حي و غير قابل للموت في نفس الوقت بعكس كل الأحياء الموجودة ؟

-    الله ذات و لكنه منزه عن التشخيص

-    الله لا يخطئ أبدا و لكنه ذات و ليس معنى

-    الله خالق و لكن لم يخلقه احد

مع إن القاعدة التي يركن إليها المؤمنين بنظرية الإله هي أن كل موجود يحتاج إلي خالق لكي يوجده إلا ان الله مستثنى من ذلك فهو موجود و لا يحتاج إلي خالق لكي يوجده.

-    الله ازلي أبدي و لكنه ليس الزمان نفسه

-    الله ماليء الكل و لكنه ليس المكان نفسه

-    ألخ ألخ

و هكذا إن كان الله غير معقول و لا يمكن ان يكون معقولا فلماذا إذن يؤمن به الناس ؟

التفكير بالتمني

أتصور أن أهم سبب هو التفكير بالتمني أو the wishful thinking ..

مثلا لو أنا اتمنى أن أملك مليون جنية و لا أستطيع ..

فما يكون مني إلا أن اوهم نفسي أنني أملك مليون جنية.

أكذب ثم أصدق الكذبة .. حتى و إن لم تكن معقولة.

مثلا أتمنى أن أكون نابليون بونابرت و لكنني لا يمكن ان اكون نابليون لأنني شخص آخر ..

فما يكون مني إلا أن اوهم نفسي بأنني نابليون حتى و إن كان هذا مستحيل.

طبعا هذا جنون ..

لكن المؤمن حقا بوجود إله يصدق ذلك لانه يتمنى فقط وجود هذا الإله.

يتمنى ان يكون هناك شخصا خارقا يراقبه ليلا و نهارا و يراجع تصرفاته و يهتم به و يرعاه و يستجيب لهمساته و صلواته و يحميه و يحقق أمانيه و يتكل عليه و يخضع له و يتلقفه بعد ان يموت ..

هذا هو الله بإختصار : أماني و أحلام يقظة لأشخاص كبار سنا و صغار عقلا.

في الواقع ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ..

حتى و لو تمناه بشدة ..

حتى و لو تمناه بعنف.

الحقيقة هي أننا وحدنا في كون موحش كئيب بلا معنى ..

لا يوجد من يراقب او يهتم أو يرعى من علياء سماؤه ..

لا يوجد من يستجيب للصلوات و الدعاء و الهمسات و البكاء و التضرعات.

لا يوجد إله خارق نستطيع أن نتكل عليه أو يحقق أمانينا بمجرد الدعاء.

و لا يوجد حياة بعد الموت ..

لا يوجد إلا نحن و لا يمكن ان نتكل إلا على بعضنا البعض.

وجوهنا لن تلتقي إلا مع بعضها و هذا كافي جدا.

كفوفنا لن تمسك إلا ببعضها البعض.

لن تمسح الدموع إلا الأيدي البشرية.

الله ليس شخصا عديم الرحمة و لا يهتم, هو ببساطة غير موجود و غير ممكن الوجود.

نحن فقط الموجودين و لو أردنا نستطيع ان نجعل هذا كافيا.

غسيل الدماغ

أما ثاني أهم سبب فهو غسيل الدماغ أو the brain washing ..

غسيل الدماغ يمكن أن يقنع أي شخص بأي شيء.

و هو السبب في حالة اللاوعي التي يعيشها معظم سكان الشرق الأوسط بالذات ..

غسيل الدماغ يمكن أن يحاصرك في كل مكان :

منذ طفولتك البريئة يعلمونك عن الله و كانه بديهية بسيطة و مؤكدة في ذات الوقت ..

يلاحقونك في المدرسة و المنزل و التليفزيون و الصحف و كل شيء ..

بديهية ملزمة لك و للجميع.

و الكفرة هم قوم أشرار و ملاعين و غير موجودين أساسا في عالم الواقع ..

غسيل الدماغ يستطيع ان يقنعك أن العبودية هي الحرية طالما أنها لله ..

غسيل الدماغ يستطيع ان يقنعك ان الجنون هو قمة العقل طالما إرتبط بالله ..

فليتخيل المرء ما هو أقصى جنون ممكن ان يقال ؟

أن النمل و الحمير و الحيات تتكلم و البغال تطير في الهواء و النساء تلد بدون جنس و الناس تمشي على المياة و تقيم الأموات بكلمة ؟

الأديان قالت كل هذا و اكثر و أقنعت به الناس عن طريق غسيل الدماغ ..

وسائل الإعلام في العصر الحديث بالذات إكتسبت قوة مفرطة و طرق إقناع لا حصر له ..

و الإلحاح على الكذبة يمكن ان يجعلها مساوية للحقيقة في عقول الناس ..

جوبلز الذي كان وزير هتلر للإعلام قالها : كلما كانت الكذبة كبيرة كان من السهل تصديقها و لكن إذا قيلت بالإلحاح الكافي ..

و فكرة وجود إله يلح عليها الجميع بطريقة تحاصر كل فرد و تجعله مضطرا لقبولها و تصديقها رغم عدم معقوليتها و إستحالة منطقها.

إكذب و مارس الإلحاح على تلك الكذبة و ستجد أذنا صاغية مع الوقت ..

إنه فن الدعاية الأسود ..

فن غسيل الدماغ.

فن جعل الأسود أبيض و الأبيض أسود و الألوان مستحيلة.

حيث العبودية هي الحرية و الوحشية هي الرحمة و الجنون هو العقل ..

حين يمتلئ العالم بالأكاذيب و نصبح كلنا مجانين ..

و كما قال فيورباخ : في هذة الأيام الخرافة مقدسة و الحقيقة دنسة ..

الكبرياء

ثالث أهم سبب هو الكبرياء الساكن في كل إنسان ..

كلمة حكمة قالها دارون : الإنسان متكبر لدرجة أنه يعتقد أنه خُلق من إله

الإنسان متكبر لدرجة يعتقد أنه سيخلد بعد الموت في جنة او حتى جهنم.

الإنسان متكبر لدرجة انه يظن أن هناك إله قد خلق العالم كله من أجل خاطره ..

الإنسان متكبر لدرجة أن يظن أن هناك إله عظيم يعبأ به و يغضب او يفرح بتصرفاته و يراقبه و يعاقبه و يكافئه.

الإنسان متكبر جدا في الحقيقة ..

متكبر على بقية الكائنات الحية و يظن أنه أفضل منها لمجرد ان لديه بعض الذكاء ..

يلفق الأساطير عن خلقه و يجعل الملائكة تسجد له و الآلهة تحقق أمانيه و تهتم به.

و من فرط الكبرياء يرفض الناس فهم انهم مجرد قردة متطورة و ذكية ..

الكبرياء يعمي صاحبه عن رؤية الواقع و عن معرفة ذاته على حقيقتها.

الكبرياء يتحالف مع التفكير بالتمني و غسيل الدماغ ليجعل الإنسان في واقع موازي مختلف عن واقعنا الحقيقي.

إن الله نفسه في الإسلام إسمه المتكبر ..

و الله في أحلامنا هو شخص متكبر و متسلط يلبس قناعا من الغضب و الإستعلاء.

لكن من يخلع عنه هذا القناع سيجد إنسان عادي جدا في الداخل من فرط خوفه يصطنع التكبر.

و كما يقول المثل المصري : ما عفريت إلا بني آدم

هكذا أيضا الله : ما إله إلا بني آدم

الإنسان المتكبر هو الساكن خلف كل هيلمان و جبروت الإله أو الآلهة.

إنه حلم القوة و السطوة الذي جعل الإنسان يحلم بالآلهة و يصدق أحلامه.

إنه الكبرياء اللعين ..

الخوف

الخوف هو السبب الرابع وراء الإيمان بالآلهة.

الإنسان خائف جدا من الطبيعة و من المجهول و من ذاته و إخوانه و لذلك إضطر ان يخترع إلها لكي يهدأ خوفه.

الإنسان متكبر فعلا و لكن في داخله هو خائف جدا من قسوة الحياة و وحشة الوجود.

بل خائف من كل شيء ..

لذلك نجد بعض المؤمنين يتصورون انه لو كان الله غير موجود فسينهشهم الآخرين أحياء ..

كل إنسان يتصور أن الله يردع الآخرين عن إيذاؤه و قتله ..

لذلك هو يتمسك بفكرة الله الحامي لانه بدون إله لن يكون هناك سبب منطقي لكي لا يتم قتله.

فكرة الله قامت بإحتكار الرحمة و العقل فكان هدم تلك الفكرة يعني هدم مفاهيم الرحمة و التعقل عند البعض.

أكبر مخاوف الإنسان هي مخاوفه من المجتمع الجبار الأخطبوطي ..

الناس في الدول الملكية الديموقراطية تتسمك بفكرة الملك لانها تجمع المجتمع تحت رايتها.

و البعض يظن أيضا ان الله هو سبب الإجتماع بين الناس ..

هو الذي يربط عقد الجميع بحيث ان قطع حبل الله يعني ان ينفرط الكل و لا يبقى واحد ملتصق بآخر.

و لا يعرفون ان فكرة الله نفسها هي التي تربي الخوف في نفوس الناس و تجعل الجميع يخشون على حياتهم فعلا.

نزع فكرة الله من العقول سيترك فراغا صحيا سيجعل الناس تفكر أولا ثم تعقل ثانيا فتتآخى و تترابط ثالثا.

ليس لنا إلا بعضنا البعض حتى و لو كانت الآلهة موجودة حقا.

فكرة الله هي المسئولة عن النكسة الحضارية التي نعاني منها ..

كل هذا الخوف و الكبرياء و التفكير بالتمني و غسيل الدماغ الذي نعاني منه مرتبط بفكرة الإله بشكل كبير.

مخاوف الإنسان هي التي قادته للخرافة ..

و كبرياؤه هو الذي جعله يصيغها بتلك الطريقة ..

و غسيل الدماغ هو الذي حافظ على الخرافة حية في النفوس ..

و التفكير بالتمني هو الذي جددها و دافع عنها ..

إنها أخطاء الإنسان منذ البداية ..

إنه خطأنا جميعا.

ديكتاتورية العلماء الديموقراطية

democracy

تحدي الديموقراطية

 

• ما هي الديموقراطية ؟

الديموقراطية هي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ علَى مبادئ محددة :

أول مبدأ هو حكم الأكثرية و قبول الأقلية المعارضة لهذا الحكم ..

طبعا الإجماع ليس له وجود خارج الديكتاتوريات المعروفة مثل ديكتاتورية صدام و عبد الناصر و غيرها, ففي الدول الديموقراطية يجب أن يكون هناك أقلية تعارض حكم الأغلبية و الأقلية صوتها مسموع و محترم و قد تصبح أغلبية في اليوم التالي و تنعكس الآية. الأقلية المعارضة هنا هي أقلية وفية للحكومة و تدعم النظام و تقبل بشروط و قواعد اللعبة الديموقراطية بعكس المعارضة المسلحة أو الإنفصالية أو التي لا تعمل وفقا للنظام القائم بوجه عام.

هناك أيضا مبدأ الفصل بين السلطات : السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائية. كل سلطة من السلطات الثلاث لها إختصاصها و تشرف بطريقة ما على السلطتين الأخريين و هذا يجعل كل سلطة من السلطات الثلاث محدودة بالأخرين و منضبطة بقدر الإمكان.

و مبدأ التمثيل والانتخاب : حيث ينتخب الشعب نوابه المختصين بشئون الحكم و السياسة ..

و مبدأ سيادة القانون : القانون الذي يسري على الصغير و الكبير, الحاكم و المحكوم ..

و مبدأ اللامركزية : لأن السلطات المتمركزة في عاصمة الحكم تعطي للدولة طابع شمولي ..

و مبدأ تداول السلطة سلميا : و هو ما يسمح بحرية الحركة داخل النظام و تجديد دماء الحكم.

الديموقراطية كمصطلح تعني حكم الشعب لنفسه ..

و لكنها نظريا تعني حكم الأغلبية ..

و فعليا هي حكم القلة المنتخبة, أو حتى حكم الفرد المنتخب.

بمعنى أوضح رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة في الدولة الديموقراطية هو ديكتاتور منتخب لا أكثر, لكن الميزة في الإنتخاب أن الديكتاتور هنا يهتم بإرضاء الناس و السعي لمصلحتهم بعكس الديكتاتور الغير منتخب الذي لا يهتم بإرادة الشعب لانه لم يوليه بالإضافة إلي أن المؤسسات يكون لها دور فاعل و سيادة القانون تكون حتى على الحاكم نفسه. صحيح ان في الدولة الديموقراطية يختار الناس فئة قليلة منهم لكي يمارسوا الحكم في الدولة و هذا لا يعني أن الشعب بأكمله يحكم بنفسه و لكن على الأقل الديموقراطية تصنع التوازن و التفاهم بين الأقلية الحاكمة و الأغلبية المحكومة و ذلك بالإنتقاص من صلاحيات الحاكم لصالح المحكوم.

الحقيقة أن حكم الشعب لنفسه هو وهم كبير و هذا ليس كفرا بالديموقراطية, لأن أمور الحكم هي عمل مثله كأي عمل يحتاج إلي التخصص و التفرغ و هو ما ليس متاحا للناس المشغولين بأعمالهم الأخرى. طبعا الديموقراطية تحتاج من الناس أن يقتطعوا من وقتهم لكي يمارسوا السياسة و يختاروا السياسات و السياسيين و لكن معظم العمل هو إداري و علمي بالدرجة الأولى. هذا يعني أن الديموقراطية هي أحد أنواع الديكتاتوريات الأكثر توازنا و إنجازا لانها تقوم على المشاركة (المحدودة) للناس في أمور الحكم بالإضافة لإيهامهم بانهم يشاركون (مشاركة غير محدودة) في الحكم فيرضون عن الحكم و السياسات و يستقر الوضع للحكام.

و مع ذلك فأفضل ديكتاتورية هي تلك التي تبدو ديموقراطية و أنا لا أقصد إنتخابات مزيفة بل إنتخابات حقيقية و لكن تأثيرها يكون محدودا مثل تلك التي في إيران أو حتى أمريكا. فالديموقراطية في أمريكا تبدو أقرب إلي ديكتاتورية رؤوس الأموال و هذا النموذج للديموقراطية غالبا هو النموذج الشائع في كل البلاد الديموقراطية : رأس مال يتحكم في الدعاية و الإعلان و العمل و البطالة و الأسواق و يروج لنفسه كخيار سياسي وحيد, تلك ليست الرؤية الشيوعية للديموقراطية الليبرالية بل هي وجهة نظر حتى الكثير من الغربيين الذين إختبروا الديموقراطية و عرفوها جيدا.

لكن لا توجد ديموقراطية على الأرض شبيهة بخيالات الحالمين بحكم الشعب لنفسه. كل ديموقراطية موجودة هي ديكتاتورية مقنعة مع حرية حركة محدودة. و الحديث لا يشمل ديكتاتورية البوليتاريا التي هي في الأساس ديكتاتورية الحزب الشيوعي بل الكلام على الديموقراطيات المتفق عليها عالميا أنها ديموقراطيات.

و يمكن تقسيم نظم الحكم كالتالي :

1- ديكتاتورية الحاكم الفرد الصمد

2- ديكتاتورية الحزب

3- ديكتاتورية رؤوس الأموال

4- ديكتاتورية رجال الدين

5- ديكتاتورية أصحاب المصالح

6- ديكتاتورية الهمج و الغوغاء

و غالبية نظم الحكم الموجودة هي خليط بين نوعين او أكثر من الأنواع السابقة.

مثلا قد يكون النظام هو تحالف ديكتاتوري بين رؤوس الأموال و أصحاب المصالح.

أو تحالف ديكتاتوري بين رجال الدين و رؤوس الأموال ..

أو تحالف ديكتاتوري بين الحزب و الفرد الصمد ..

و هكذا ..

أما الديموقراطية بمعنى حكم الشعب كل الشعب فهذا وهم كبير ليس له مكان على أرض الواقع ..

• ما هي العلمانية ؟

العلمانية تعني فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة، و توفير الحرية لكل الناس لاعتناق وتبني أي معتقد أو دين يرونه, و هي بهذا المعنى ضد كل الأديان لأن كل دين يدعو لنفسه كحقيقة مطلقة ملزمة للجميع. العلمانية هي تفسير و قياس كل الأمور الحياتية بصورة مادية عِلمية بحتة بعيداً عن تدخل الدين. هي رفض أي تدخل من الدين في حياة الفرد, لأن الدين في العلمانية ينتهي عندما يخرج الفرد من معبده. فالعلمانية نظريا محايدة تجاه جميع الأديان لكنها تنهى فعليا و عمليا عن اتباع أي دين أو ملة، و تنادى بأن يتم فصل الدين عن السياسة والدولة، وبأن تكون الأديان هي معتنق شخصي بين الإنسان وربه.

العلمانية هي أيديولوجيا تشجع المدنية والمواطنة وترفض الدين كمرجع للحياة، ويمكن أيضاً اعتبارها مذهب يتجه إلى أنّ الأمور الحياتية للبشر، وخصوصاً السياسية منها، يجب أن تكون مرتكزة على ما هو مادي ملموس وليس على ما هو غيبي، و هي ترى أنّ الأمور الحياتية يجب أن تتحرر من النفوذ الديني، ولا تعطي ميزات لدين معين على غيره، على العكس من المرجعيات الدينية تعتمد على ما تعتقده حقائق مطلقة أو قوانين إلهية لا يجوز التشكيك في صحتها أو مخالفتها مهما كان الأمر، وتُفسّر العلمانية من الناحية الفلسفية أن الحياة تستمر بشكل أفضل و من الممكن الاستمتاع بها بإيجابية عندما نستثني الدين والمعتقدات الإلهية منها.

العلمانية إذن هي فلسفة مادية علمية و مذهب لاديني, و بهذا المعنى فإن حياد الدولة تجاه الاديان يعتبر موقف غير محايد بطبيعته لأن الأديان غير محايدة تجاه الدولةو تجاه الناس. بالتالي فالعلمانية عليها إما أن ترفض الأديان أو تقبلها و لا يوجد ما يسمى بالحياد لا الإيجابي و لا السلبي.

العلمانية في الواقع هي الإلحاد مقنع بالحياد و الموضوعية, مع ان في جوهرها هي إنحياز صارخ و واضح ضد الدين و التدين و ضد غمس الدين في كل شيء. قناع الحياد هذا لازم من أجل قبول كل الدينيين للعلمانية من أجل الفصل بينهم لأن البديل الوحيد للإلحاد المقنع (العلمانية) هو الدولة الدينية بل و الطائفية أيضا مثل الدولة الدينية الشيعية في إيران و الدولة الدينية السنية في السعودية و الدولة الدينية الكاثوليكية في الفاتيكان. و رغم إن الدولة العلمانية تدعو عمليا لنبذ الأديان إلا أنها تعطي حرية كبيرة لكل الأديان بسبب عدم إنحيازها لأي دين. فالموقف الرافض لكل الأديان يجعل كل الأديان و المذاهب في كفة واحدة أما الإنحياز لأحد الأديان و المذاهب فهو يخنق حريات بقية الأديان و المذاهب بصورة كبيرة.

هذا يعني ان الدولة المحايدة تجاه الأديان هي وهم كبير لأن الدولة إما ان تختار أحد الأديان لتروج له و إما ترفض كل الاديان و تطردها جميعا من التدخل في السياسة و الإجتماع و حصارها في حرية الفرد فقط. إن سياسة العلمانية تجاه الأديان واضحة : حصارها في دور العبادة و تركها لكي تنقرض على أساس أنها تمنع عنه الأكسجين الذي يجعلها تحيا و تتوغل في عقول الناس. بعد تفريغ كل مناحي الحياة من سياسة و إقتصاد و علم و فكر و فنون من الدين لا يتبقى من الدين إلا الفتات الذي سيختفي مع مرور الزمن. و هكذا يخلو المجال للإلحاد ..

• ما هي الديموقراطية العلمانية ؟

الديموقراطية العلمانية هي الديموقراطية المحدودة بالعلمانية, محدودة لأن الناس من الممكن أن تختار إسلاميين أو دينيين بوجه عام لممارسة الحكم و لكن أن تكون الديموقراطية علمانية فهذا يعني أن الحكم مقتصر على من هو علماني فقط .

الأمثلة على الديموقراطية الغير علمانية كثيرة : أبسطها حكومة حماس المنتخبة ديموقراطيا و الحكومة الشيعية في إيران و العراق أيضا و حتى نجاح الإخوان المسلمين في مصر في أي إنتخابات نظيفة إلي حد ما. و لذلك فإن الديموقراطية العلمانية هي ديموقراطية منقوص منها الحريات السياسية لمن يرفض العلمانية.

يقال ان العلمانية تضيف إلى الديمقراطيه عن طريق حمايه حقوق الاقليات الدينية و لكن حماية حقوق الأقليات الدينية هي ضد الديموقراطية لو إختار الشعب غير ذلك فالشعب من الممكن ألا يختار حماية حقوق الأقليات. و هكذا فإن العلمانية تضيف بعدا إنسانيا على الديموقراطية و تمنع الأغلبية من ظلم الأقلية و تمنع الأغلبية و الأقلية من إهانة العلم و إستهداف حقوق الإنسان و لكن كل هذا بالإنتقاص من مساحة الحرية في الديموقراطية من أجل الحفاظ على الديموقراطية ككل.

تهذيب الديموقراطية بالعلمانية يعني ضمنا انه ليست كل الخيارات المتاحة للناس إنسانية, بل أنه من الوارد و المنطقي و الأفضل أن نحجب عن الناس بعض الحريات و منها حرية خلط الدين بالسياسة.

يعني لكي نهذب الديموقراطية أكثر و أكثر علينا أن ننقي الخيارات الديموقراطية من :

1- الديكتاتوريين

يعني التيارات السياسية التي ما أن تتولى الحكم حتى تنقلب على الديموقراطية مثل الشيوعيين الراديكاليين و الإسلام السياسي و غيره.

2- الأصوليين

يعني التيارات السياسية التي تظلم الأقليات الدينية بإسم الأكثرية و تعتدي على حرم السياسة و حرم العلوم و حرم الفنون بإسم الدين.

3- العنصريين

الفاشيين و النازيين و أنصار القومية المتطرفة و كارهي الأجانب و أمثالهم.

و هذا يعني أن الديموقراطية العلمانية لا تكفي أيضا بل الأفضل لو نحافظ على ديموقراطية قسرية علمانية متسامحة .

ديموقراطية قسرية لا يمكن النكوص عنها بل تطويرها لو أمكن.

ديموقراطية علمانية حيث لا مكان فيها للدين و الأصولية.

ديموقراطية متسامحة لا يتم فيها إنتخاب العنصرين و الفاشيين و أعداء الأجانب.

• الديموقراطية العلمية

هناك مشاكل أخرى في الديموقراطية بخلاف ان الناس من الممكن ان تنتخب سياسات و سياسيين عنصريين أو أصوليين أو ديكتاتوريين. الناس من الممكن أن تنتخب أيضا سياسات و سياسيين جهلة غير متعلمين بحيث يتعاطوا مع قضايا الإقتصاد و الصناعة و التربية و التعليم و غيرها بطريقة تخلو من العلم و الذكاء.

مثلا إقتصاديات الدول الإشتراكية سابقا تحتاج لخصخصة و الخبراء جميعا يوصون بخصخصة الشركات الخاسرة بالذات و لكن الناس ترفض بسبب العمالة الزائدة التي سيتم طردها في حال الخصخصة. و أيضا عداء الناس لسياسات ثورية فيما يخص التعليم و كذلك إنتشار الإستهتار بالعلم و العلماء بصورة تنم عن جهل تام.

و بما ان الديموقراطية المحدودة ليست فكرة محرمة و لا معيبة بدليل أن هناك الكثير من الدول التي تقر نظام الديموقراطية المحدودة بالعلمانية فمن الأفضل أيضا إقامة ديموقراطية محدودة بالعلم و التخصص خاضعة لوصاية العلماء و المتخصصين في كل المجالات بحيث يكونوا في سطوة رجال الدين في إيران أو رجال المال في أمريكا.

الديموقراطية العلمية لا تعطي حق الإنتخاب لغير المتعلمين بل و لا تعتبر الواحد منهم راشدا من الأساس, فليس الراشد هو من يتخطى سنا معينة بل من ينهي مرحلة تعليمية تحددها الدولة. في تلك الحالة يصبح العلم مميز و مدعوم من الدولة بشكل كامل لكي يصبح كل الناس متعلمين من أجل أن يحصلوا على مزايا الرشد.

أيضا لا يكون من حق أحد أن يرشح نفسه ما لم يكن قد حصل على درجة الدكتوراه في تخصص معين بحيث يكون نواب الشعب جميعا من الحاصلين على الدكتوراة فيما فوق في مجالس متخصصة فبدلا من برلمان الشعب يكون هناك مجالس متخصصة للإقتصاد و الصناعة و التعليم يرشح فيها أصحاب الدكتوراة و ينتخبهم الناس من المتعلمين.

و هكذا لا تكون الديموقراطية قسرية علمانية متسامحة فقط بل و علمية أيضا, قائمة على أكتاف العلماء و المتخصصين. و من الممكن تسميتها الديموقراطية العلمية أو ديكتاتورية العلماء .. لا مشاكل. في الحالتين هناك بعض الإستبداد و بعض الحرية, بعض التشاور و بعض الحسم بنفس الطريقة الموجودة في كل الديكتاتوريات و الديموقراطيات. و لكن الميزة ان القائمين على الإستبداد او الحسم هنا هم من العلماء و ليس رجال الدين الخرافيين أو رجال المال بثقافتهم الإستهلاكية أو رجال السياسة بقدرتهم على التلون و خداع جماهير الناس.

الأنفع هو جمهورية خاضعة لوصاية العلماء و المتخصصين تقوم على أكتاف المتعلمين بحيث يختار الناس من هم جديرين بالحكم فعلا و القادرين على إدارة امور الدولة وفق مناهج علمية تجريبية و سياسات تهتم بخير كل الناس.

كل الناس تعرف أنه لا يوجد إله .. الأغبياء أقلية عددية

stupid

في البداية أقول أنني لا أقصد بكلامي هذا اللاآدريين و المؤمنين بإله أينشتاين مثلا ..

فأنا مهما تعاليت و تكبرت لن أجروء على وصف شخص مثل أينشتاين بالغبي على أي حال.

فاللاآدريين و المؤمنين بإله مماثل لإله أينشتاين لديهم شكوك معقولة تحتاج إلي تفكير و رد ..

ما أقصده هو إله الأديان ..

نعم كل الناس تعرف أنه لا يوجد إله فيما العدا السذج و المساكين عقليا و هم ليسوا كثر ..

الإله بالنسبة للغالبية الساحقة مجرد عرف إجتماعي لا أكثر :

مفهوم إجتماعي تداوله الناس و تعارفوا عليه مثله كمثل النقود مثلا.

يعني كل الناس تعرف أن النقود ما هي إلا ورق ملون بلا قيمة و إن ما صنع للنقود قيمة هو تعارف الناس على أن لها قيمة و إلا فيما عدا ذلك فقد يمسك أي بائع بورقة نقدية و يسأل في عدم فهم : ما هذة الورقة ؟

المشكلة أن أحيانا يمسك الناس بآلهة بعضهم البعض و يفحصونها و يتهمون صاحبها بأنها آلهة مزيفة لا تنفع و لا تضر, و كل هذا بسبب الخلاف بين الأديان ..

هو صراع عملات : عملة مقابل عملة و ليس صراع بين أنظمة غير نقدية و أنظمة نقدية.

فعملة الله يتداولها مليار و نصف المليار نسمة بينما عملة الرب يتداولها إثنان مليار نسمة و هكذا ..

عرف إجتماعي لا أكثر يستخدم فقط للحفاظ على أخلاقيات المجتمعات و تبرير عاداتها و تقاليدها و ليس أكثر من ذلك.

الكل يعرف أنه لا يوجد إله ..

أنا فقط من كنت غبيا ذات يوم و صدقت الكذبة ..

كنت أمشي في الشارع و أنا أظن أنني أعرف هؤلاء الناس من حولي و لكن هذا لم يكن صحيحا.

جميعهم يتعامل بالعملة النقدية و هو يعرف انها بلا قيمة في ذاتها, مجرد ورق ملون ..

الكل يتعامل بالآلهة و هم يعرفون أنهم بلا قيمة أو معنى في ذاتهم, مجرد آلهة على الورق لا أكثر ..

أنا فقط من صدقت الكذبة ذات يوم لأن المجتمع يتآمر على الأغبياء و السذج من أمثالي طوال الوقت ..

هي طريقة لإختبار الذكاء و تحييد كل من لا يقوى على معرفة الأكاذيب من الأخبار الصادقة.

و أبسط دليل على هذا الكلام هو أن غالبية الناس تعيش حياتها ببساطة شديدة و كأنه لا يوجد حياة بعد الموت او جنة او جهنم او ما إلي ذلك, لا أحد ينقطع للعبادات الدينية أو يحاول بجدية ان يسلك أخلاقيا كما يقول الدين ..

الشائع هو مجرد نفاق ديني لكي يرى الناس أن المنافق شخص متدين يتبع العادات والتقاليد و الأعراف الإجتماعية فيرضى عنه الناس, اما الغير متدين او الملحد فهو ليس كافر بأحد الحقائق بقدر ما هو خارج عن العرف و العادات الإجتماعية, و لهذا يغضب منه الناس لأنه لا يتعامل بعملتهم الرائجة ..

في الواقع الملحد لا يتعامل بالنظام النقدي أساسا لانه ليس له أي عملة يتعامل بها و هذا ما يثير جنون الناس لأنهم لا يعرفون كيف يشترونه أو كيف يملكوا زمامه ..

فيما عدا ذلك فلا أحد يصدق .. و الدليل هو أنه لا أحد يستجيب للاوامر و النواهي الدينية بحرفية, الناس تأخذ من الدين الجزء الظاهر للمجتمع فقط : الحجاب, زبيبة الصلاة, الزي الإسلامي ..

الإسلام بالذات يتطلب من المرء ان يمارس خداع الذات بإحترافية : أن يعرف المسلم ان الله خدعة يتبناها المجتمع و لكنه يحيا ظاهريا وفق تلك الخدعة و هو حر تماما فيما عدا ذلك ..

و لهذا فالمتدينون ظاهريا هم أكثر ناس يقوون على فعل المعاصي ..

كلما تدين الشخص أمام الناس كلما كان يعرف اكثر أن الله و الدين مزيفين و ما هم إلا عرف إجتماعي و لهذا يمارس الشيء الوحيد ذو المعنى من الدين : مراضاة الناس.

اما الأفعال و السلوكيات التي تطلب علاقة شخصية بوهم الله فهي أبعد ما تكون على سلوكيات الناس ..

لهذا يحرص الناس على الصلاة امام بعضهم البعض لكي يروا إندماجهم و خضوعهم للاعراف الإجتماعية الغريبة.

و لهذا يعتبر التدين سلوك غير أخلاقي بالمرة ..

من المؤسف إستغلال سذاجة الساذجين و محاولة خداعهم لمجرد انهم ساذجين.

من العار أن نحاول خداع الأغبياء من الناس لمجرد أنهم أقل منا ذكاء ..

Shame on you all religious people…

الأفضل هو ان نناقش نظامنا النقدي و نظمنا العقيدي لكي نحاول أن نأتي بنظم أخرى أفضل من اجل حياتنا و مستقبل أولادنا ..

shut up

المجتمع ليس إله و ليس كل ما يقوله المجتمع صدق و ليس علينا إتباع تعليمات و اعراف المجتمع حتى و إن لم تكن منطقية أو صادقة, هذا هو ما يجب أن نعلمه للجميع حتى الأغبياء و السذج منا ..

حتى من لا يزالوا يصدقون وجود بابا نويل رغم كبر سنهم ..

لا يجب أن نتآمر عليهم مع الجميع ..

الأفضل هو أن لا نتعامل بعملات المجتمع الزائفة و أن نترك كل عملة زائفة في حياتنا.

الصدق أفضل و القدرة على تمييز الصدق من الكذب تستدعي أن نكون أحرارا قادرين على التمييز بحرية دون وصاية المجتمع ..

الصدق أفضل من الكذب على الجميع ..

لا توجد آلهة و الكل يعلم ذلك و لا يزال يكذب ..

مجتمع كاذب مخادع يتآمر على كل فرد لوحده ..

مجتمع مثل البركة الآسنة يحتاج لإصلاح جذري ..

مجتمع فاسد يتلذذ بالكذب و خداع الأبرياء.

مجتمع يحتاج إلي ثورة عليه و على قيمه البالية.

العيب ليس فينا بالتأكيد بل العيب في الكذابين المخادعين.

و لا عزاء للسذج و المساكين عقليا.

نحو إقتصاد إنساني

مصنع السيارات تستخدم ماكينات أكثر و عمالا أقل

مصانع السيارات تستخدم ماكينات أكثر و عمالا أقل

البداية هي الكفر بوجود جنة أو حتى حياة بعد الموت ..

بعدها يجد المرء نفسه لا يملك إلا فرصة واحدة للحياة و للسعادة في تلك الحياة ..

و ربما لا يوجد سبيل لتحقيق تلك السعادة بالإمكانيات المتاحة.

على أي حال فالهدف يستحق المحاولة.

لكن كيف يمكن أن يشعر المرء بالرضى و من ثم السعادة  ؟

و ما هي الأشياء التي إذا ما توفرت تحققت السعادة ؟

الصحة .. الحب .. المال .. الجنس .. الحرية

أعتقد أن السعادة لن تخرج عن مثل هذة الأشياء أو تنويعات منها, و بالتالي فإن المجتمع الذي يكفل الكثير من تلك الأشياء يضمن تحقيق نسب عالية من السعادة لأفراده ..

و هكذا نجحت الدول الغربية ..

و لهذا يحلم الكثير من الشباب في العالم ان يهاجر للجنة الموعودة لكن على الأرض ..

أوربا أو أمريكا.

لكن كيف نجحت تلك الدول في تحقيق مستويات معيشية مرتفعة و حياة رغدة لشعبها ؟

هل هي العلمانية التي تكفل الحرية للجميع ؟

هل هي الديموقراطية التي تدعم مشاركة الجميع في ثروات المجتمع ؟

هل هي الرأسمالية التي تضمن فرص عمل جيدة للجميع ؟

هل هي الحرية الجنسية التي يعيشونها ؟

هل هي نظم التأمين الصحي التي لديهم ؟

أم لانهم قوم لطفاء و يحبون بعضهم البعض ؟

أم بسبب كل تلك الأشياء مجتمعة ؟

للأسف في تلك الدول الأكثر نجاحا على مستوى العالم هناك عيوب أيضا :

فقر و جريمة و فساد .. لكن بنسب أقل بكثير من غيرها في بقية دول العالم.

لكن من يريد الكمال, يكفي هذا النجاح المبهر.

و إذا ما إستعصت الهجرة على الكثيرين, كيف يمكن أن نغير مجتمعاتنا لنحقق نجاحات مماثلة لنا و لأولادنا من بعدنا ؟

أعتقد أنه من البديهي و المنطقي أن نحاول تطبيق نظما شبيهة بنظمهم الناجحة في مجتمعاتنا.

يعني علمانية ديموقراطية رأسمالية ..

و إن كانوا قد حققوا نجاحا بالعلمانية فلنكن أكثر علمنة منهم, حتى فلنكن ملحدين.

و إن كانوا ديموقراطيين فلنكن اكثر دمق .. دمق .. دمق .. , يعني أكثر منهم على أي حال.

و إن كانت الراسمالية هي مفتاح الغنى و الثروة فلنكن ليبراليين أكثر منهم.

المهم ان نفوز و ننجح و نصبح سعداء و لو لفترة قصيرة قبل ان نموت و نرجع إلي العدم مرة اخرى و أخيرة.

لكن ماذا عن الحلم الديني القديم ؟ الجنة ..

ماذا عن أحلام الفلاسفة الجدد ؟ اليوتوبيا ..

ألا يمكن تحقيق يوتوبيا على الأرض حيث لا يترك أحدا لوحده كي يواجه مرضا أو فقرا أو أي خطر آخر ..

حيث يتشارك الجميع الثروات و الفرص و الحياة عموما.

أليس فلاسفة الغرب هم من تمردوا على واقع مؤلم معاش في عالمهم الجميل .. و الذي هو أقل إيلاما من واقعنا في العالم الثالث ؟

ربما كان من الأفضل لو نتعلم من تجاربهم و لا نخطأ أخطاءهم ..

ربما كانت الإشتراكية أفضل من الرأسمالية على أي حال ..

ربما كانت ديكتاتورية البروليتاريا أفضل من الديموقراطية البرجوازية ..

لكن النموذج الشمولي الإشتراكي لم ينجح في شرق أوربا و العالم ثم إنهار في النهاية.

ربما كان العيب في تلك التجارب لكن الحلم الجميل يستحق أن نحاول مرات كثيرة لكي نحققه.

لكن هل هذا الحلم جميل فعلا ؟

إن المانع ليس أن الحلم مستحيل التحقيق لان كل حلم كان كذلك قبل أن يتحقق ..

حلم الطيران ..

حلم الصعود إلي القمر ..

أحلام كثيرة بدت مستحيلة ثم تحققت, لذلك فمهما بدا الحلم بعيدا و مستحيلا فيجب أن نسعى إليه و نحاول كثيرا لكي نحققه, لكن المهم أن يستحق التعب ..

يعني من حقنا أن نحلم لكن فلنحلم بعقل, لكي إذا ما تحقق الحلم لا نعود و نندم بعد ذلك.

الشيوعية

الشيوعية

الحلم الشيوعي أم الحلم الليبرالي

الليبرالية

الليبرالية

1-     (( من كل حسب قدرته .. و لكل حسب حاجته ))

حيث يعمل كل واحد بحسب قدرته على العمل و ينتج بقدر ما يقوى على الإنتاج ثم يحصل على كامل حاجته من موارد المجتمع بعد ذلك. و هذا يعني أن هناك من سيعمل بمهارة و فعالية و ياخذ مثل أو حتى اقل من واحد لا يعمل بتلك المهارة و الفعالية .. هذا هو الحلم الشيوعي.

طبعا ماركس كان يظن أن عيش الإنسان في مستوى مرتفع متحررا من الخوف من البطالة و الفقر سيغير تركيبه النفسي و يقتل بداخله المشاعر الأنانية لتتحول إلي مشاعر جماعية متعاطفة مع الآخرين و وقتها سيصبح العمل شيئا لذيذا يقبل عليه الناس بفرح و ابتهاج بإعتباره واجبا إجتماعيا لصالح كافة الناس. و إذا ما حدث هذا التغير في عقلية الإنسان و أخلاقه و قيمه مع الوفرة في الإنتاج سيمكن تطبيق الشيوعية التي تعتمد على تنازل الأكثر إنتاجا للأقل إنتاجا.

لكن الفكرة لا تبدو لي جميلة مع ذلك لانها تفتقر إلي العدل ..

او ربما هي تفترض وجود مجتمع ملائكي مكون من بشر في منتهى الكمال و الطيبة حيث يعملون من أجل آخرين لا يعملون بقدر طاقتهم أو ذكاءهم. فهل سنجد الجميع سعيد و متفائل بعد ذلك ؟!!

هذا الحلم يبدو لي شبيه بواقع معاش حيث أن الطبقة البرجوازية تعمل قليلا و لديها إحتياجات كثيرة بينما البروليتاريا تعمل كثيرا و لديها إحتياجات قليلة, إن المسألة نسبية, و إحتياجات الإنسان لا يمكن تحديدها بمعيار موضوعي فهي تتحدد بلسان كل واحد. حلم ماركس سيكون حقيقيا لو كانت الطبقة العاملة تعمل بفرح من أجل خير الجماعة و رفاهية الطبقة البرجوازية و كأن المشكلة هي ان الطبقة العاملة تحقد و تحسد الذين يعيشون في رفاهية.

الفكرة لا تبدو لي جيدة على أي حال.

البشر ليسوا متساويين في عالم الواقع ..

أقصد ليسوا متساويين جدا أو ليسوا متساويين إلي هذا الحد.

الأفضل هو ان يكون هناك مساواة في الحقوق و الواجبات و الفرص و لكن يجب أن يكون هناك تفاوت في الجزاء بحسب قدرات و إمكانيات كل واحد على العطاء. يعني الشيوعية تبالغ في المساواة و الليبرالية ( المتطرفة بقدر تطرف الشيوعية ) تبالغ في التفاوت بين الناس.

إن منطق الحلم بالمساواة في الثروة يذكرني بمنطق آخر :

(( لكي لا يشتهي الرجال النساء علينا أن نخبئ النساء في المنازل او نغطيهم باغطية سوداء كثيفة تخفي حتى آدميتهم. أي أن نغير الواقع بدلا من أن نرشد الشهوة .. ))

الأفضل هو الترشيد و ليس الإلغاء .. فشهوة الرجال للنساء لا يمكن ان تكون شيئا سيئا لانها الدافع للجنس و الزواج على أي حال. الشهوة جميلة و تعطي حافزا للنشاط و الحركة, الفكرة هي أن من آداب التعامل مع النساء هو عدم البحلقة بطريقة تنم عن سوء أدب. لكن من حق المرأة أن تفرح بجمالها و أنوثتها و ان تكون مغرية و على من يريدها ان يتودد لها و ليس ان يطالب بسجنها و كبت شهوتها و تغطية جمالها.

يعني لو غطينا الشجر و الورود لانها جميلة فما الذي سيتبقى و يدفعنا للبقاء أحياء يوما آخر ؟

نفس المنطق على التفاوت الإجتماعي ..

لا يمكن أن نبرر الشعور بالحسد على غني يركب سيارة فارهة و نقول أن هذا ظلم إجتماعي ..

و لا يمكن أن نطالب الغني بان يخفي غناه عن أعين الناس لكي لا يحسدوه و يحقدوا عليه ..

و كأن غنى الغني هو مبرر مشروع و منطقي لحقد الناس و حسدهم و ليس سوء أدبهم.

و كأن القضاء على تركز الثروة هو الحل و ليس النهوض بأخلاق الناس لكي تتسامح مع التفاوت الإقتصادي بينهم.

إن غنى الإنسان مثل جمال المرأة, الناس ستحقد على الغني لانه غني و ستحقد على المرأة لانها جميلة, لكن الغنى و الجمال هي من نعم الحياة علينا و لا يجوز أن نخبئها او نخفيها بل أن نفرح بها و نفخر.

لا أحد مطالب بإخفاء تفوقه و مصدر قوته لكي لا يثير حقد المعدمين. بل على المعدمين ان يتوقفوا عن الحسد و الحقد و يحسنوا من أدبهم و أخلاقهم و  يبدأوا في العمل الجاد لتحسين واقعهم.

لكن المعدم قد يكون لا يجد عملا .. و هذا هو العيب الإجتماعي و المشكلة الحقيقية و ليس وجود الغني في المجتمع بل في تفاوت الفرص من اجل الترقي في الحياة.

المجتمع المثالي يساوي في الفرص و يفاوت في الثروات ..

المجتمع المثالي يعطي أساسيات الحياة و يترك الكماليات لمن يسعى و يجتهد.

يعني الحياة من حق الجميع و الرفاهية من حق الأغنياء فقط, و الحسد ممنوع و الزعل مرفوع.

و هذا يتضمن سكن و تأمين صحي و تعليم يتساوى فيه كل الأطفال بالإضافة للطعام و المياة و الكهرباء و الإتصالات.

الإحتياجات الأساسية للحياة للجميع و هذا يشمل العدالة و الامن المجانيين أيضا.

أما الكماليات و الرفاهيات فهي لمن يراكم الثروة بمجهوده و عرقه ..

حتى لكي لا نقتل حوافز النمو و الحركة ..

فرؤية الفقير للغني يتمتع بامواله ستحفزه على العمل و الإبداع لكي يصبح هو الآخر غنيا.

لكن القضاء على التفاوت في الثروة سيقضي على الحافز للإنتاج ..

أما محاولة تطبيق مجتمع ملائكي من دون ملائكة فهو امر صعب و غير واقعي فضلا عن انه غير جميل لان بشريتنا جميلة و هي ما نفخر به على سائر الكائنات الحية.

2-     (( دعه يعمل دعه يمر : laissez faire laissez passer ))

دعه يعمل بمعنى أعطه الحرية لكي يعمل

لكن أليس من الأفضل : ساعده أن يعمل .. ساعده أن يمر

إن الرأسمالية تحاول تهيئة الظروف لكي يعمل الناس و لكنها لا تضمن شيئا.

هذا جيد و لكنه لا يكفي ..

في الواقع هي لا تهتم بعمل الناس لأن أساسها هو الربح و لذلك لو كان الربح سيأتي من خلال بطالة الناس و تشغيل الماكينات بدلا منهم على سبيل المثال فالأمر جيد ..

و لهذا تعتبر الرأسمالية جامدة و غير إنسانية ..

و لهذا قد تستفحل البطالة في أي بلد رأسمالي ..

و لهذا فتدخل الدولة من أجل إنشاء مشاريع تستخدم العمالة الكثيفة هو أمر حيوي و أساسي.

لكن تدخل الدولة الشامل قد يحول البطالة إلي عمالة زائدة كما في البلاد الإشتراكية ..

لا فارق بين بطالة و عمالة زائدة .. على الأقل البطالة واضحة و العمالة الزائدة هي بطالة مقنعة.

أتصور ان الحل الأمثل يكون على ثلاث محاور :

أ‌)       إقتصاد سوق حر متنامي بحيث يزيد الطلب على العمالة بشكل دائم

ب‌)   إستثمار الدولة في مشاريع مربحة و لكن كثيفة العمالة

ت‌)   الإستثمار في برامج للقضاء على البطالة و الفقر

يعني إقتصاد سوق حر و لكن بتدخل الدولة من خلال مشاريع كثيفة العمالة و برامج مكافحة البطالة.

و مع ذلك لا شيء مضمون لكن على أي حال لا يمكن أن نترك الأمور للسوق لكي تقرر لنا من يصلح للعمل و من لا يصلح, يجب أن نعطي الفرصة للجميع لكي يعمل و ينتج و يفيد نفسه و مجتمعه بدلا من أن تتحول البطالة إلي قنبلة موقوتة قد تنفجر إجتماعيا في أي لحظة ..

بالطبع هذا غير أن البطالة و الفقر هما أكبر دافعين للجريمة و الرأسمالة لا تقدم أي حلول لهما سوى النمو الإقتصادي المطرد الذي يستوعب المزيد من العمالة ..

ربما يكون هذا جيد و لكنه لا يكفي.

3-     (( إن ماركس يهدف من إشتراكيته العلمية إلي الغاء الإستغلال الذي يمارسه الراسماليون على العمال و سائر طبقات المجتمع و هذا الإلغاء يعني إلغاء الطبقات في المجتمع و تحويله إلي طبقة واحدة من العاملين يشتركون في ملكية وسائل الإنتاج فيه عن طريق دولة تمثل مصالح كل العاملين في المجتمع ))

لا أفهم لماذا يسمي الشيوعيون علاقات العمل إستغلال ..

هي علاقة تبادل منفعة حيث يساعد الناس بعضهم البعض.

أنا لا أقول ان الفكر الشيوعي خالي من المعنى فهو قد نشأ أساسا بسبب الإجحاف في معاملة الرأسماليين للطبقة العاملة و لكن هذا كان في بدايات الرأسمالية حيث كانت نظاما جديدا لا يزال يجرب بنفس الطريقة كانت الدولة الشيوعية تجرب سياسات مجحفة في حق العمال لكي تحقق نسب نمو إقتصادي مرتفعة كما في الإتحاد السوفيتي القديم.

يعني إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من أجل إلغاء الطبقات الإجتماعية و إلغاء إستغلال الناس لبعضهم البعض هو امر غير مطلوب و غير واقعي, الأفضل من الإلغاء هو إحداث توازن بين حقوق و واجبات كل طبقة إجتماعية ..

يعني نمنع جور الراسمأليين على العمال و لا ننحاز للعمال ضد رجال الاعمال ايضا ..

لا نفعل هذا و لا نتورط في ذاك ..

بعض الإعتدال و الوسطية.

و لهذا قد يكون الطريق الثالث هو أفضل الحلول للتعامل مع المشاكل الإقتصادية.

لكن من المهم أيضا أن يكون الناس لديهم الفرصة للنمو و الترقي في الحياة, يعني الحراك الإجتماعي-الإقتصادي يجب أن يكون متاحا لجميع طوائف الشعب. بحيث لا يكون الفارق بين الرأسمالي و العامل شنيع لدرجة ان تحول الأخير إلي رأسمالي يحتاج إلي معجزة ..

و لهذا يكون من الأفضل لو تساوى الجميع في الصحة و التعليم و الامن و العدالة و الإحتياجات الأساسية و تفاوتوا فيما عدا ذلك, فنحن بشر رغم كل شيء. صحيح أن الناس تتفاوت في ملكات الإبداع و في الذكاء و القدرة على التحمل و العمل و لكنهم أيضا لديهم الكثير من الأشياء التي يتفقون فيها و يتساوون فيها ..

شيء من التساوي و شيء من التفاوت ..

شيء من العدالة و شيء من الحرية لكي تتوازن الأمور.

فطالما ان العدالة تعني الإشتراكية و الحرية تعني الرأسمالية إذن فلنصنع خليط من هذا و ذاك ..

الأفضل هو لا شيوعية و لا ليبرالية بل دولة إنسانية تنتمي إلي جميع طبقات المجتمع ..

الليبرالية أيضا معيوبة لأنها تدع الحرية لعلاقات العمل إلي النهاية بحيث أن الأمور قد تخرج عن السيطرة كثيرا و تتورط الدولة في الإنحياز لصالح أحد طرفي المعادلة, الرأسماليين و العمال. مع أنه لا إستغناء عن طبقة الرأسماليين أو الإداريين في أي منشأة إقتصادية و لا إستغناء عن قوة العمل بها أيضا.

الأفضل هو أن ننظم العلاقات الإقتصادية بحيث لا تتحول إلي إستغلال طبقي مثل الذي جعل ماركس يكفر بالنظام الطبقي من أساسه. إذا ما أردنا ألا يتجه أي واحد من الناس إلي التطرف في أي إتجاه علينا نحن ألا نكون متطرفين في عكس هذا الإتجاه.

4-     الشيوعية تدعو إلي الملكية العامة لكل وسائل الإنتاج

بمعنى أن يملك الجميع كل شيء و لا يملك أي واحد أي شيء.

فالفرد من اجل الجميع و الجميع من اجل الجميع ..

و هو نظام يقتل فردانية الفرد و يحوله إلي ترس في آلة ضخمة تعمل من أجل المجموع. طبعا العمل من أجل خير الجماعة هو عمل إنساني و نبيل و لكن هذا لا يعني ان ينسى الإنسان نفسه و يتحول إلي ترس. فالعمل من اجل المجتمع يجب ان يكون تطوعيا و إراديا لكي نترك للناس فرصة إخراج مكنوناتهم الحقيقية و طاقتهم على الحب.

ثم إن الملكية العامة لكل وسائل الإنتاج تحول الدولة إلي جهاز بيروقراطي روتيني ضخم يشرف على كل شيء حتى أتفه التوافه, و هذا الجهاز سيستهلك جزءا ضخما من دخل البلاد بالإضافة إلي أنه سيعقد عملية الإنتاج نفسها.

يعتبر هذا عيب من العيوب النظرية في الماركسية و ليس خطأ في التطبيق ..

فالماركسية كانت في تصورها لمجتمع من الملائكة كانت تظن أن العامل في المؤسسة الرأسمالية لا يشعر بأي إنتماء للآلات التي يعمل عليها لأنه لا يملكها و بالتالي فهو في المؤسسة الإشتراكية سيشعر بإنتماء لانه مفروض أنه يمتلكها هو و زملاؤه عن طريق حكومة الشعب التي تمثله.

و هذا خطأ كبير فالإنتماء يأتي من المسئولية عن الشيء و ليس عن إدعاء الملكية, و في كل تطبيقات الشيوعية كان الناس لا يشعرون بانهم ملاك وسائل الإنتاج لانهم شعروا أن جهاز الدولة البيروقراطي الهائل هو الذي يملك و هو جهاز إنعزل عنهم فلم يعودوا يحسون أنه يمثلهم.

بالإضافة إلي أن إلغاء كل صور الملكية الفردية لوسائل الإنتاج يكبت النوازع الفردية في الإنتاج و الإبتكار و الخلق لأن تلك قيم فردانية أساسا و ليست قيم جماعية. و هكذا فإن الملكية العامة لوسائل الإنتاج جعلت إقتصاديات الدول الإشتراكية متقادمة و عاجزة عن ملاحقة إقتصاديات الدول الراسمالية الأكثر تطورا.

لكن أسوأ ما في مسألة الملكية العامة لوسائل الإنتاج تلك هي القوة المفرطة التي تعطى للدولة, قوة باطشة في الواقع .. قوة ليست في مواجهة الدول الأخرى بل قوة في مواجهة الأفراد المساكين المدينين بكل شيء للدولة اللامتناهية القوة و السلطة. الدولة في تلك الحالة تكون مسئولة عن كل شيء من أول إطعام و تسكين كل الناس و حتى غسل دماغهم بوسائل إعلامها المملوكة للدولة. و هنا الفرد يكون ضئيلا أشد الضآلة في مجتمع خاضع تماما للدولة المتجبرة الشمولية.

إن الملكية العامة لوسائل الإنتاج هي الشمولية بعينها و هي التي تمسح شخصية الفرد و تجعله خاضع تماما للدولة و تقتل فيه الحافز و النشاط و الطموح و الرغبة في الإبتكار و التفوق. و يكفي أن النظم الإشتراكية التي صنعت سفنا سافرت للقمر و غزت الفضاء فشلت في تصنيع سيارات جيدة او غسالات أوتوماتيكية.

كل هذا لا يعني أن الدولة لا يجب ان تملك أي شيء فالملكية الجماعية لازالت مهمة, و لكن الملكية العامة لكل شيء و لكل وسائل الإنتاج هو ما يجعل الدول ذلك الجهاز البيروقراطي الأخطبوطي الذي يسيطر على كل شيء و يجعل الفرد مجرد ترس بسيط فيه.

الأفضل هو ان يكون هناك سوق و آليات سوق حرة لكن ليس حرية كاملة, يعني سوق مقلمة الأظافر لا تبطش بالناس و لا تخضع لتقلبات فجة تطيح في المجتمع فقر و بطالة ..

يعني يكون للدولة حصة في السوق و كانها رجل أعمال جبار يستطيع ان يرفع أو يخفض سعر الأسهم كما يريد بحيث يكون للدولة قوة و كيانا إقتصاديا تستطيع به أن تتحكم في السوق و توجهه الوجهة الصحيحة ..

فالقضاء على آليات السوق و العرض و الطلب هو خطأ ..

كما ان القضاء التام على الملكية العامة لوسائل الإنتاج هو خطأ كبير ..

مرة أخرى فالأفضل أن يكون هناك وسطية و توازن :

ملكية عامة لبعض وسائل الإنتاج x سوق حرة و لكن موجهة ..

لكن طرد الدولة من اي تدخل في الإقتصاد يجعل الدولة ضعيفة لا حول لها و لا قوة لإنقاذ البسطاء و محدودي الدخل.

و هذا هو المرفوض شكلا و موضوعا لأن النمو الإقتصادي لا يجب ان يطحن الفقراء و محدودي الدخل ..

فلنتنازل عن نمو إقتصادي سريع مقابل أن لا يتعب الناس كثيرا لدفع تكاليف النمو ..

فالمرء لا يجب أن ينسى أن مهمة الإقتصاد هو خدمة البشرية و ليس زيادة ربح الشركات أو تحقيق نمو إقتصادي لا يتم توزيعه بعدالة على المجتمع ..

الأفضل هو الطريق الثالث ..

أو رأسمالية بضمانات ضد الفقر و البطالة ..

أو إشتراكية ديموقراطية ..

المهم أي درجة ما بين يسار الوسط و الوسط و يمين الوسط …

أما اليسار و اليمين فهم يريدون ملائكة او ماكينات.

و نحن بشر بكل فخر ..

بشر قبل أي شيء.