الدولة الملحدة و ملحدة الأديان

الكتاب السحري المعجزي الخارق الرهيب

الكتاب السحري المعجزي الخارق الرهيب

كل دين من الأديان الشائعة لديه كتاب مقدس يعتبر مرجعا له و أساس لعقائده, لكن بالنسبة للملحد فليس لديه مثل هذا الكتاب لأن المبدأ أساسا خاطئ. إن فكرة الكتاب الواحد المقدس تعفي الناس من التعلم و المعرفة من بقية الكتب الأخرى و تحصرهم بين دفتي كتاب واحد أيا كان ما فيه. لقد نشات الفكرة في زمن ما قبل العلم الحديث و ما قبل آلة الطباعة و ما قبل إنتشار التعليم حيث كان كل الناس جهلة لا يقرأون و لا يكتبون بل و لم يكن موجودا وقتها ما يمكن قراءته. لهذا إحتاج الناس لكتاب واحد مقدس يقرأه لهم الشيخ او القسيس و يفسره لهم بشرط أن يحتوي هذا الكتاب السحري المعجزي على كل أسرار الكون و الحياة.

و بالتالي فإن من إخترعوا الكتب المقدسة قد إخترعوها للجهال من الناس في زمن عز فيه العلم و لكن في عصرنا الحديث من يتمسك بفكرة الكتاب الواحد المقدس هم القوم الكسالى الذين لا يقرأون و لا يريدوا ان يتعلموا شيئا جديدا و أقصى طموح لهم هو أن يقرأوا ملخصات للمعرفة المقدسة الشاملة و التي تحكي عن قصص خرافية و حكم بلهاء في أسطر قليلة. في الواقع يجب أن تكون كل الكتب مقدسة بمعنى ان تكون كل المعارف محترمة و لها مكانتها اللائقة فليس التقديس هنا بمعنى أن تكون الكتب فوق النقد و الفحص. لكن هذا التقديس الوثني الذي يحول كتاب بسيط مثل الإنجيل أو القرآن إلي صنم هو أمر لا يقبله العقل و لا تطيقه الأخلاق القويمة.

إن المسيحية و الإسلام و غيرها من الديانات التي تؤمن بوجود إله أو أكثر ليست بأقل وثنية من الأديان الأقدم منها أو أديان وسط أفريقيا حاليا. كل الأديان لديها أصنام مقدسة سواء كان هذا الصنم تمثال أو طوطم أو كتاب أو شخص ميت أو حتى كان حجر أسود أو قربان مقدس. يعني لا يوجد مبرر أبدا للإستعلاء الذي يشعر به المسلمين على أديان ما قبل الإسلام على أساس أن تلك وثنية أما الإسلام فلا, و لا يوجد مبرر للإستعلاء الذي يشعر به المسيحيون على أديان ما قبل المسيحية بنفس المنطق. الجميع وثنيين و عبدة أصنام, الجميع ما عدا الملحدين.

بالطبع الملحد ليس وثنيا لأنه لا يسجد لتمثال و لا يقدس الموتى أو الأحياء من البشر و لا يطوف حول مكعب أسود أو يقدس كتابا و لا يصلي للفراغ بعد أن يدعوه إلها. الملحد هو إنسان عاقل منطقي يأبى أن يصدق خرافات العصور القديمة أو يقدس كتبها أو أن يسجد لأصنامها. لهذا لا يقدس الملحد أي فكرة أو معرفة أو كتاب أو مكان أو أخلاق أو طقوس أو شعائر او أفعال أو أي شيء, الملحد يرفض فكرة التقديس شكلا و موضوعا لكي يكون كل شيء خاضع للنقد و التطوير المستمر .. وأن يكون كل شيء متاح وفق حجمه الطبيعي فعلا.

و هكذا لا يوجد عند الملحدين كتاب مقدس لكن يوجد الكثير من الكتب الرائعة كتبها مفكرين و فلاسفة و علماء ملحدين من الطراز الأول, و من أهم هؤلاء المفكرين في العصر الحديث :

كتاب / ريتشارد داوكنز

كتاب / ريتشارد داوكنز

- ريتشارد داوكنز

- دانييل دانيت

- سام هاريس

- كريستوفر هيتشينز

كتاب / كريستوفر هيتشينز

كتاب / كريستوفر هيتشينز

كل واحد من هؤلاء كتب كتابا أو أكثر لكي يكشف للناس زيف الأديان و ضررها على المجتمع. الجميل في الأمر أن كتب هؤلاء المفكرين و التي تدعو إلي الإلحاد صراحة هي من أفضل الكتب مبيعا و رواجا بين الناس و تترجم إلي لغات كثيرة. و هذا يعني أن الإلحاد يشهد صحوة كبيرة في البلاد الغربية في الأونة الأخيرة, صحوة تعود لأسباب كثيرة منها التعارض الصارخ بين الأديان و بين العلم الحديث و أيضا بسبب العنف و الفساد الذي تتسبب فيهم الأديان, ربما تكون تلك الصحوة قد جاءت متأخرة و لكن المهم أنها جاءت أخيرا. المهم أن يساهم كل مفكر ملحد في رفع مستوى الوعي عند الناس ليعرفوا ان الإلحاد خيار جرئ و عقلاني و ان الملحد قد يكون شخص أخلاقي و سعيد.

لكن قبل الإسترسال في الحديث يلزمنا تعريف ما هو الإلحاد أولا ..

الإلحاد هو عدم الإعتقاد بوجود آلهة كما في الديانات التعددية او إله كما في الأديان التوحيدية, هو موقف فكري عقلاني من الأديان كلها و من الألوهية عموما, موقف يتبنى الإنكار او الرفض بناءا على حجج علمية أو فلسفية أو منطقية.

و الإلحاد يتطلب ببساطة أن يتجرد المرء من مشاعره تجاه الدين الذي تعلمه و الأفكار التي تربى عليها و أن يخضع معتقداته تلك للفحص و التمحيص سعيا وراء الحقيقة و حينها سيتعرف على حجم الزيف و البهتان الذين تمتلئ بهم الأديان و الإيمان بالله بوجه عام.

إن الله كذبة واضحة المعالم بلا أي حاجة لبحث عميق أو جاد, يكفي أن يكون المرء عقلانيا و محايدا لكي يستطيع ان يتأكد من ذلك تمام التأكد و لكن مع ذلك لا نزال نحتاج إلي كتب و دراسات في نقد الدين من الداخل لكي تصل الفكرة إلي عموم الناس بعد أن وصلت إلي خاصتهم. المشكلة ان نقد الدين مجرم قانونا في دول كثيرة هي أكثر من يحتاج إلي دراسات في نقد الدين, فليس أسهل من إتهام أي صوت عقلاني في تلك البلدان بإزدراء الأديان و تهييج الناس البسطاء عليه لكي يلتزم الجميع بتقديس ما لا يستحق الإحترام أصلا, ألا و هو الدين و الألوهية.

إن الإلحاد يقدم نفسه على أنه الفكر الوحيد المتوافق مع العلوم الحديثة و القيم الإنسانية العظمى فالأديان الموجودة معادية للعلم و رجعية للدرجة التي يتوجب معها على كل إنسان أن يقاومها و يكافح ضدها. لكن ان نترك العالم أرضا خصبة لصراعات الأديان مع بعضها و تجبرها على البشر و سحقها لآدمية الإنسان فهذا ما لا يصح و ما لا يجب أن يكون.

يكفي أن الأديان تروج للخرافات و تنشر الجهل و تعادي المرأة و ترفض الديموقراطية العلمانية ..

يكفي الحجاب و ختان البنات و الأولاد و منع النساء من التعليم و العمل و تحريم الإختلاط الصحي بين الجنسين ..

يكفي عداء العلم و حصار الحرية و تسفيه الأخلاق ..

يكفي ..

يكفي و يزيد.

لقد آن الأوان لأن يصحو العالم على حقيقة الإلحاد .. حقيقة أن لا آلهة و لا حتى الله.

يجب أن يعرف الجميع أن الآلهة و الملائكة و الشياطين و الجن و العفاريت و الأشباح و كل الشخصيات الدينية الخيالية لا تختلف عن الشخصيات الخيالية الكرتونية أو السنيمائية أو الأدبية مثل سوبرمان و باتمان و سبايدرمان و النينجا ترتلز و دراكيولا و الباور رينجرز و غيرهم. كلها شخصيات وهمية من وحي الخيال المتقد للإنسان و أمانيه بتجاوز الطبيعة و المادة.

الله مثلا شخصية خيالية تجمع بين المتناقضات بطريقة تكشف لنا إستحالة وجوده في عالم الواقع. فهو حي و لكنه لا يموت مع إن كل حي يموت كما نعرف, و هو موجود و لكنه غير مادي مع إن كل كائن موجود بالمادة أساسا. إن الله يلخص طموحات الإنسان في أن يتجاوز الزمن و الموت بالخلود و ان يتجاوز قدراته المادية عموما بالألوهة مع إن الحقيقة هي أن الوجود كله مادي و طبيعي.

لكن الأديان هي التي روجت لتلك الخرافات ..

الأديان إستطاعت أن تقنع الكثير من الناس بوجود رجل خفي يعيش في السماء ..

يراقب كل شيء يقوم به كل إنسان, في كل دقيقة من كل يوم, و هذا الرجل الخفي لديه قائمة بأعمال يريدنا ان نقوم بها و قائمة أخرى بأعمال لا يريدنا أن نقوم بها. و إذا لم نفعل أي من الأشياء التي يطالبنا بها أو إقترفنا أيا من الأشياء التي يسميها ذنوب فإن لديه مكانا خاصا يلتهب نارا و دخانا و تعذيبا و ألما سوف يرسلنا إليه لنحترق و نعاني و نختنق و نتألم إلي أبد الآبدين و حتى ينتهي الوقت.

لكنه يحبنا .. مع ذلك يحبنا.

بالطبع حكاية خرافية لا تصلح حتى للأطفال, لكن الكبار يصدقونها و يقاتلون من أجلها. الكبار يصدقونها بسبب غسيل الدماغ الذي تعرضوا له ليل نهار منذ نعومة أظافرهم ثم يكبرون ليكذبوا نفس الكذبة على أطفالهم, و ندور جميعا في حلقة مفرغة. و بتراكم الزمن و بتناقل الأجيال للكذبة جيلا بعد جيل تتحول الخرافة إلي أمر واقع علينا أن نتعايش معه و نقبله.

لكن الحقيقة هي أننا نعيش في واقع مختلف تماما عن الواقع الإفتراضي الذي يتخيله المؤمنون بوجود إله. الحقيقة هي أننا نعيش بمفردنا في كون ملحد ليس له صاحب. ليس هناك آلهة لكي تنقذنا أو تنجينا, و لذلك علينا أن نتكاتف سويا من أجل ان نواجه مصاعب الحياة. إن الله هو لعبة إخترعناها ثم رحنا نتشاجر عليها مثل الأطفال ..

الأفضل هو أن ننضج و نترك مثل تلك الألعاب التافهة و نحاول ان نحب بعضنا البعض.

إن الإلحاد هو دعوة للإستيقاظ من الأوهام الخرافية و رسالة حب و سلام لكل الناس بدلا من الإقتتال الديني على الله أو الجنة, لكننا مع ذلك نجد أنه قد تعرض لتشويه كبير على يد المؤمنين, ببساطة يشوهون كل ما لا يفهمونه أو لا يطيقونه و يتهمون الإلحاد بما ليس فيه. يصورونه على انه إنفلات خلقي و ميل إلي الفوضى و إستهتار بالحياة و إفناء المرء لذاته في الجنس و الخمر و بالطبع هذا ليس صحيحا فالإلحاد لا شان له من قريب أو بعيد بالأخلاق لأنها ليست موضوع بحثه ..

إن موقف الإلحاد الرافض هو موقف من الآلهة و الاديان و ليس الاخلاق و بالطبع ليس الدين هو الاخلاق و لا الأخلاق هي دين بل إن كل دين له نظام أخلاقي مستقل يختلف تماما عن بقية الأنساق الأخلاقية في الأديان الأخرى و هكذا فإن رفض الأديان لا يعني رفض أنساقها الاخلاقية بالضرورة و في حالة رفض أخلاق دين معين فإن هذا لا يعني رفض الأخلاق من حيث المبدأ ..

عموما الإلحاد يتطلب بحثا عن الحقيقة و ليس الفضيلة, و لذلك فقد نجد ملحدين أخلاقيين مثل الإنسانيين كما أن هناك ملحدين آخرين يعتبرون أن الأخلاق أداة لتدجين الإنسان و جعله أليفا مستأنسا و بالتالي هم يرفضونها رفضهم للدين.

من منهما على صواب و من على خطأ ؟

هذا يتطلب بحثا لأنه لا توجد اجوبة سهلة أو سحرية و لا توجد آلهة تعرف كل شيء و تجيب عن كل شيء بل علينا نحن ان نجتهد لنعرف أجوبتنا بأنفسنا.

لكن بوجه عام فالإلحاد ليس إنفلاتا أو رعونة أو إستهتار بقيم الفضيلة و الخير و ليس الملحدين بأقل شرفا أو مكانة من المؤمنين لأنه في كل جماعة هناك الصالح و الطالح و هناك الاكثر صلاحا و الاكثر طلاحا فلا يمكن ان يدعي احدهم ان كل المؤمنين هم قوم صالحين او العكس و لا ان كل الملحدين هم قوم طالحين او العكس, بل إن أخلاق الإنسان راجعه أساسا للتربية التي تربى عليها و التهذيب الذي تلقاه في البيت و المدرسة و قوة إرادته و إختياراته في الحياة.

أما لو بحثنا في الاديان لوجدنا ان كل دين يدعي أن منظومته الاخلاقية هي أفضل ما يمكن للإنسان إتباعه و ان الأخلاق التي انزلها الله أو الآلهة على الإنسان هي الوسيلة الوحيدة لعيش حياة حلوة و مرضية, لكن الحقيقة أن الأديان هي المسئولة عن الكثير من الإنتهاكات الأخلاقية و ضياع القيم الإنسانية. فالإنسان كائن خير بالطبيعة و بالإرادة كليهما بينما التوجيه السيء من الأديان هو الذي يعلم الإنسان كيف يرتكب الجرائم بضمير مستريح.

في الواقع إن الحديث عن أخلاق دينية هو قول فيه الكثير من التجني على القيم الأخلاقية لأن الإخلاق لا تستقيم إلا لو كانت علمانية. ففي الأديان لا يوجد نمط أو منطق أخلاقي محدد, هي فقط سلوكيات مزاجية و أنشطة يوصي بها الإله أو النبي أو الرسول لخدمة الدين أو العقيدة و ليس لإعلاء قيم أخلاقية. فالقتل أو السرقة مثلا ليسوا محرمين لو كانوا في خدمة الدين أو للدفاع عنه أو لو كانوا بأوامر إلهية, و الإغتصاب أو الزنى لا تكون أفعالا مستهجنة لو كان الفاعل إله أو نبي.

إن الحديث عن أخلاق دينية لهو مثل الحديث عن كائن خرافي .. العنقاء أو طائر الرخ.

الصحيح هو أن الأديان قاتلة للفضيلة و راعية للكبت و العنف و النفاق و الإنحلال الخلقي بوجه عام, فلا عجب أن أكثر بلاد العالم تدينا و إيمانا هي البلاد التي ينتشر فيها الفساد و السرقة و التحرش الجنسي و الكثير من الأمراض الأخلاقية الأخرى. بينما البلاد ذات النسب المرتفعة من الملحدين هي البلاد الأكثر تقدما و تنظيما و حرية و شفافية على مستوى العالم.

نعم, إن الأديان لا تروج للخرافات فقط بل و للإنحلال الخلقي أيضا ..

أما الإلحاد فيحرر الاخلاق لأنه يعلمنها ( أي يجعلها علمانية ), إن تحرير الاخلاق من الدين و إرجاعها إلي البشر ليتباحثوا فيها و يتوصلوا إلي أفضل الانساق الأخلاقية هو أمر أساسي من أجل إصلاح المجتمعات و تحقيق التعايش و الإنسجام بين بني الإنسان. و يكفي أن نشر الإلحاد يدعم الحب و السلام, فكل العنف و التعصب القائمين بإسم الدين سينتهي بالإلحاد و بدلا من أن تفرق الآلهة و الاديان بين الناس سيجعلنا الإلحاد نتحد سويا في مواجهة التحديات.بل يكفي أن الإلحاد يؤكد على الفرح بالحياة الدنيا الجميلة, إن الحياة حلوة و تستحق ان نفرح بها لكن طالما أن الدين يجعلنا نهتم بالموت و ما بعد الموت فستكون حياتنا كئيبة و موحشة, الواقع أن إضفاء مظاهر البهجة و الإنشراح على الناس لهو مرتبط دائما بالإلحاد و البعد عن التدين.

لذلك فإن الوعي بالضرر الذي تسببه الأديان بل و الإنخراط في مقاومتها و الكفاح ضدها لهو كفاح من أجل قضية عادلة و نبيلة, و هي حياة أفضل لنا جميعا. فمن أجل أن ننشر الحب و الخير و العدل و الحرية و السلام بين كل الناس علينا أن نحارب الأديان بالإلحاد و أن نؤسس مجتمع ملحد يؤمن بالعلم و الأخلاق الحرة المنفتحة.

لقد ساعد تطور العلم الحديث على نمو الإلحاد في أوربا و الغرب بصفة عامة و في نفس الوقت يساهم نمو الإلحاد في نشر العلم لأنه يحرر عقول الناس من موروث الخرافات و الأساطير. لكن المشكلة هي أن صعود الأصوليات الدينية جعلنا نرى رجال الدين يروجون لعلوم مزيفة و معارف خرافية و يخلطون الدين بالعلم و يمزجون الدين بالسياسة و يلوثون دنيانا بأديانهم المتخلفة الرجعية المنافية للتنوير و التحديث.

الآن ليس من واجبنا فقط أن نفصل الدين عن العلم و التعليم و عن السياسة و المجتمع بالعلمانية, لأن الدين و رجاله يأبون إلا القفز على المعارف العلمية و المنجزات السياسية و تطويع كل مناحي الحياة لخرافاتهم الدينية. إن الدولة العلمانية أصبحت موضة قديمة و الأفضل منها هي الدولة الملحدة, الحل الأمثل للتعامل مع الدين ليس أن نفصل بين الأديان فنصلح بينها و نحصر الدين في دور العبادة ثم نترك المجتمع أرضا خصبة لجنون رجال الدين .. لا. علينا أن نقتلع الخرافات الدينية من جذورها بإعتبار الدين مثل المخدرات و الأفيون فنمنع تعاطيه بقانون ملزم و نجرم الإتجار فيه.

إن فصل السياسة عن الدين لم يعد يكفي, علينا الآن أن نصلح الأديان بعلمنتها جميعا. فالعلمانية الشاملة الحقيقية ليست هي علمنة الحياة و المجتمع و ترك الدين ليأكله دود الخرافة و الرجعية و إنما هي علمنة كل شيء بما فيه الأديان نفسها. الأديان يجب أن تكون لها شروط معينة لتبقى و إلا يتم القضاء عليها جميعا ..

و الشروط المقترحة لتهذيب و علمنة و تحديث الأديان هي الآتي :

1- نبذ الخرافات و الأساطير بما فيها قصص الآلهة و الأنبياء و الشياطين و الملائكة و العفاريت و الخوارق و المعجزات و الجنة و جهنم و ما إلي ذلك.

2- نفي إمتلاك الحقيقة الحصرية فعلى كل دين أن يعترف من خلال رجاله أنه مجرد وجهة نظر لا أكثر.

3- نبذ العنف و العنصرية و التنصل من أي حادث أو تهديد إرهابي يتخذ الدين ستارا له.

4- إحترام العلم و نظرياته و قوانينه و عدم الإصطدام به أو الصراع معه.

5- إحترام حقوق الإنسان و مجاراتها و عدم المساس بأي حق منها.

و هكذا وفق تلك الشروط تكون الأديان كلها ملحدة و ما يتبقى منها بعد هذا الترشيد و التهذيب يكون وجهة نظر أخلاقية و حياتية لا أكثر يتبعها الناس بناءا على إختيار حر و يتركها الناس بحريتهم أيضا.

أما أن نلتزم بعلمنة الدولة فقط و نترك الأديان تنخر في المجتمع كالسوس فتلك سياسة ناقصة و خطيرة و تحول المجتمع إلي جنة لكل الأديان مهما كانت سيئة و رجعية. إن الدولة العلمانية كانت محطة تاريخية مهمة لمعظم دول العالم و لكنها الآن قد إنتهى دورها و حان وقت الدولة الملحدة التي تسمح بالأديان الملحدة فقط و تمنع ما عدا ذلك.

العلمانية كانت مرحلة اولى مهمتها حصر الدين في دور العبادة و الآن حان وقت المرحلة الثانية أي “ملحدة الأديان” أو دخول دور العبادة لتنظيفها من الأديان. أما أول دولة كان لها الشرف بعمل ذلك فكانت ألبانيا بقيادة “أنور خوجة” و إستمرت وفق هذا المنهج من سنة 1967 إلي 1991 لكن للأسف كان ذلك قبل أوانه و به الكثير من العيوب و لذلك لم يستمر.

لكن الآن البلاد المتقدمة في العلمانية هي فقط المرشحة لقيادة العالم نحو نظام سياسي عالمي ملحد يوحد جميع الناس تحت راية العلم و التقدم مثل فرنسا و بريطانيا و أمريكا. فبالدولة الملحدة فقط سنستطيع تحرير السياسة من التدخلات الدينية و من طغيان رجال الدين في كل صغيرة و كبيرة و التعامل مع قضايا مثل الإجهاض و حقوق الشواذ و الموت الرحيم و الإستنساخ و نقل الأعضاء و حرية الإعتقاد و غيرها من القضايا وفق إحتياجات الإنسان و ليس وفقا لوصايا إله مزعوم.

الحقيقة إن العالم يجب أن يوقف التداول الحر للأديان الخرافية الحصرية الرجعية العنيفة المنحلة و أن يلزم رجال الدين بالتحول إلي رجال فكر و فلسفة عن طريق علمنة الأديان أو ملحدتها و تحويلها إلي فلسفات أخلاقية علمية تقدمية سلمية منفتحة. أما الحرية المطلقة لتداول كل الأفكار و المعتقدات بما فيها النازية و الفاشية و الإسلامية و المسيحية فسيوقف تقدم عالمنا أمدا طويلا و يجعلنا نحيا في حروب دائمة بين أتباع المعتقدات و الأديان, و هو ما لا نرجوه لعالمنا بالتأكيد.

إن الحرية الحقيقية هي الحرية ذات الإطار, هي حرية كل الناس الأحرار فليس هناك حرية لأعداء الحرية و لا حرية لمن يعتبرون أنفسهم عبيد لإله خرافي. إن الدين مرض يأتي بفعل غسيل الدماغ المستمر للإنسان لذلك علينا مقاومة تلك الممارسات بإقرار الحجر الصحي على المجتمعات لكي ننظفها من أوساخ الدين و التدين و نزرع بدلا منها فلسفات طيبة تدعو للعلم المادي التجريبي و الاخلاق الحرة المنفتحة.

العنف و الجنس بين محمد و المسيح

المسيح و محمد

المسيح و محمد

محمد و المسيح ..

رجلين كان لهما اعظم الأثر في تاريخ الإنسانية.

فسواء إختلف المرء معهما أو إتفق مع ايا منهما فلا يمكن ان يبخسهما حقهما في إنهما كانا معلمين فطحلين و قائدين عظيمين.

لكن هل حقيقة كان محمد نبيا ينزل عليه الوحي ؟

و هل كان المسيح إلها جاء ليفدي البشرية ؟

إجابتي هي لا كبيرة لكليهما, لا هذا كان نبي و لا ذاك كان إلها, لأنه ببساطة لا توجد آلهة و لا يوجد انبياء.

كلاهما كان شخصا مميزا و له كاريزما و تاثير, كلاهما حاول ان يعلم الناس شيئا نافعا بقدر علمهما.

طبعا أيهما ليس منزها و لا معصوما,لو حاول المرء أن ينظر إليهما كشخصين مقدسين لشاب شعره من هول أخطاءهما لكن لو عرف أنهما إنسانين عاديين فربما غفر لهما ما فعلاه بالبشرية و ما تسببا فيه من ويلات و دمار.

بالتأكيد ليسوا انبياء أو آلهة, لكن إذا لم يكونوا فهل يكونا كاذبين حين إدعيا النبوة و الألوهية ؟

ما أرجحه هو أن محمد نصاب و المسيح مجنون.

أعرف أنها قد تبدو فجاجة و لكنها الحقيقة للاسف, و على كل باحث عن الحقيقة أن يكون واسع الأفق.

اقول نصاب لانه طالب سلطة, تمسكن في مكة حتى تمكن في المدينة, مقاتل و لا يعرف الرحمة, فحل و يحب النسوان. لكن أبرز ما يجعلني أجزم انه نصاب هو إستنزاله للآيات في كل مناسبة لكي تسعفه وقت الحاجة مثلما حدث في حادثة الإفك و حادثة زواجه من إمرأة إبنه بالتبني و غيرها ..

و حتى عائشة المراهقة الخبيثة قالتها له وقتها : ما أرى ربك إلا مسرعا في تحقيق هواك.

و المسيح مجنون لانه كان يظن نفسه إلها, أي إنسان يقول : أنا و الآب واحد, و أنا هو البداية و النهاية لابد ان يكون مصابا بجنون العظمة او البارانويا.

لكن و مع ذلك و بغض النظر عن أن محمد نصاب و المسيح مجنون فإن التراث الذي تركه كل منهما كان أسوأ منهما و خصوصا فيما يخص العنف و الجنس.

فمحمد آلة جنسية أكل من الكوفيت و لم يعد يلوي على شيء, لا تكاد عيناه تقع على إمراة إلا و يسعى للزواج منها و حتى لو كانت زوجة إبنه بالتبني و حتى لو كانت لم تتم الست سنوات بعد.

هو إعترف بنفسه كما جاء في الطب النبوي لأبن القيم الجوزي صفحة 185 : أني أصبر على الطعام و الشراب و لا أصبر على النساء.

يعني هو لا يستطيع ان يتحكم في نفسه فيما يخص النساء لانه منفلت جنسيا و ليس إنسانا متزنا.

أما المسيح فتكاد تحسبه شاذا او عنينا, فهو لم يتزوج أبدا و لم يحب إمراة و اوصى الرجال ألا ينظروا للنساء بإشتهاء بل انه دعا الرجال إلي إخصاء أنفسهم صراحة كما جاء في متى 19 : 12

(( لانه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون امهاتهم و يوجد خصيان خصاهم الناس و يوجد خصيان خصوا انفسهم لاجل ملكوت السماوات من استطاع ان يقبل فليقبل ))

يعني واحد منفلت جنسيا و الآخر عنين, ألا يوجد إعتدال أبدا ؟

إما ان يتزوج الرجل من طفلة في السادسة من عمرها او يخصي نفسه, ألا يمكن للواحد أن يحب و يتزوج بطريقة طبيعية دون ان يتطرف لاي إتجاه ؟!!

و لكن كلاهما يابى إلا أن يتطرف في غير الجنس, فأيا منهما لم يحل مسألة العنف بذكاء كافي.

فمحمد مقاتل و رجل سيف بل أنه حين استقر به المقام في يثرب, شد البلطجية من المهاجرين و الانصار و قام بالعديد من الهجمات علي القوافل العربية العابرة, و هو لم يعرض عليها الإسلام حتى ..

يعني هو يغير على القوافل و يقتل و يسرق و يعتدي على القبائل و يسبي النساء.

و تكفينا آيات السيف الشهيرة لكي تعرفنا على محمد العنيف و دينه الدموي :

{و أعدوا لهم ما إستطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم و ما تنفقوا من شيءفي سبيل الله يوف إليكم و أنتم لا تظلمون }

{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون } (التوبة:29)

أما المسيح فقد مات مصلوبا مثل الفرخة الذبيحة و راح يوصي بالمغفرة و التسامح الأهبل حتى أنه أوصى الناس بان من يضرب على قفاه الأيسر أن يحول الأيمن أيضا.

الغريب انه منع بطرس من مقاومة المعتدين, حتى المقاومة المشروعة يرفضها.

يعني المسيح ليس في عظمة غاندي مثلا صاحب مبدأ المقاومة السلمية بل هو يرفض المقاومة أصلا كأي جبان رعديد.

و لا عجب فهو إما عنين و إما شاذ و إما خصى نفسه أسوة للناس و هذا يجعله متبلد الحس سواء في الجنس أو في الدفاع عن النفس و لا أقول العنف.

يعني واحد مقاتل دموي و الآخر جبان رعديد, و لا عزاء للمعتدلين و المتزنين. فعلى المرء إما أن يقتل و يسفك الدماء و إما ان يجبن و يعري قفاه و هو ماشي, و لا يوجد وسط.

بالطبع كلاهما مخطئ لان الإثنان وجهان لعملة واحدة و هي التطرف الأعمى, واحد يتطرف في الجنس و القتل و الآخر يتطرف في العنة و الجبن أما عن التوازن و الوسطية فلا توجد إلا في اخلاق الإنسانية

الله كائن فضائي غريب

الله

الله

ما هو الله ؟

أعتقد ان الله يعتبر كائن فضائي غريب Alien ( بفرض وجوده طبعا ) ..

هو ليس بشريا و لا من أبناء كوكب الأرض و يسكن في السماوات إذن فهو كائن فضائي.

طبعا ليس حتميا أن يكون الله لونه أخضر و له راس كالبيضة و يحمل مسدسا يطلق أشعة الليزر لكنه كائن غريب عن الأرض لأنه ليس منها و لا يسكن فيها.

أما عن موقف هذا الكائن الغريب الذي يسمى الله من الناس فهو يريد أن يستعبدهم في الأرض أو يعذبهم في جهنم.

موقف حقير و يجعل الله بالنسبة لنا مثل الغازي أو الفاتح أو المحتل الغاصب.

لكن مع الأسف يبدو ان الإحتلال الإلهي للأرض ناجح جدا حتى الآن في معظم بلدان العالم على أساس أن هناك نفوذ قوي للجماعات الدينية فيها ..

إنهم الناس المؤمنين بالله, عملاء الإحتلال الإلهي للأرض.

لكن الذين يعتبروا خونة فعلا و جواسيس ملاعين هم الرسل و الأنبياء مثل موسى و محمد أما المسيح فهو كائن فضائي متنكر في هيئة إنسان يريد أن يستكشف الأرض و تحضيرها للغزو ..

أما ساعة الصفر فهي يوم القيامة المزعوم حيث سنرى المركبات الفضائية تهبط على الأرض و بها جنود الله يريدون إحتلال الأرض.

عذرا, لقد شطح بي الخيال ..

لكن لو صدقنا القصص الدينية فلا يوجد مفر من تصديق أن الله يريد ان يحتل الأرض.

تكتيكات الله

إنه ينشر بروباجندا خبيثة تفيد بأنه لا يقهر و ان الصراع معه لا يفيد و أنه ديكتاتور ملعون يرمي معارضيه في نار لا تنطفئ إلي أبد الآبدين ..

أليس هذا ما تفعله أمريكا و إسرائيل في كل حروبها و ما فعله جوبلز النازي و ما فعله المغول في حروبهم ..

سياسة إرعاب العدو من مجرد المقاومة و إيهامه بأن الإستسلام هو أقصى ما يستطيعه.

ثم سياسة فرق-تسد الشهيرة حيث يرسل الله اكثر من دين لكي يثير حقد الناس ضد بعضهم البعض و يشجعهم على العنف و الدمار.

إنها سياسات الغزاة و المحتلين في كل مكان و زمان.

في الحقيقة أنا لا أفهم كيف يتآمر بعض الناس على أخوتهم البشر و يكرهونهم و يقاتلونهم من اجل كائن غريب يسعى لإستعبادنا جميعا ؟

لكن اللوم ليس على الله بل اللوم على كل من تسول له نفسه أن يطغى و يفسد في الأرض و يظلم الناس بإسم الآلهة.

الله لا لوم عليه لانه ليس موجودا و لانه محتل غاصب شرير و لأنه لا يتصف بأي من الصفات التي يزعمها لنفسه في الكتب الغير مقدسة.

هو مجرد كائن غريب عن الأرض و عن الإنسانية فهو ليس بشرا و لذلك صعب عليه أن يشعر بمشاعر البشر أو يفهم طريقة تفكيرهم.

المشكلة الحقيقية

المشكلة أن الله هذا ليس موجودا من الأصل .

يعني لو كان الله موجودا و يسعى لإحتلال الأرض لتوجب علينا مقاومته و هزيمته لكن حين يكون الله معدوما فماذا نفعل ؟

أنا لا أفهم حتى الآن لماذا يخترع الإنسان صنما ثم يسجد له و يقدم له الطقوس و الشعائر و الذبائح.

هذا غباء صرف …

لماذا يحتاج الإنسان أن يتعبد لأي شيء يقابله ؟

أتصور أن أفضل ما يمكن عمله هو محاربة أنصار الله بكل وسيلة ممكنة .

مقاومة الإحتلال الإلهي هو واجب وطني ..

و خصوصا أنه لا يوجد خطر فعليا لأن الله ليس موجودا ليقاوم.

لن نضطر لمحاربة إله خارق يطلق الصواعق علينا و يثير البراكين و الزلازل و الفيضانات ..

هو ليس موجودا ليحارب و لكن أنصاره موجودين : أنصار الإحتلال الإلهي.

القضية قد تبدو خاسرة لأن أتباع الله أو الآلهة كثيرين و لكن لو عرفنا أن الإنسان متطور و ان عقله و تفكيره يتطوران أيضا و أن وعيه في تقدم مستمر لعرفنا اننا منتصرون لا محالة.

لقد ظن الإنسان قرونا ان الشمس تدور حول الأرض حتى إنتصر العلم في النهاية و أصبح دوران الأرض حول الشمس حقيقة لا جدال فيها.

و هكذا سينتصر العلم على الخرافة و سينتصر الحق على الباطل كما يفعل دائما.

و الباطل هنا هو كائن فضائي وهمي يتصف بكل الصفات السيئة الممكن ذكرها.

الله ديكتاتور سادي

هو ليس منصفا و لا ديموقراطيا و لا محترما ..

لو كان الله منصفا حقا لكان قد خصص و لو جزء صغير من الكون لكي يكون ملكا للبشر يعيشوا فيه على راحتهم وفقا لقوانينهم و بطريقتهم دون أن يتدخل في حياتهم لا بالسلب و لا بالإيجاب.

لو كان الله ديموقراطيا لكان قد إحترم حرية الإنسان و استقلاليته و خصوصيته و تركه ليعيش كيفما يريد دون ثواب أو عقاب و قد أثبت الإنسان انه قادر على ان يعيش حياته بالإعتماد على نفسه و إخوته البشر دون الحاجة لأي تدخل إعجازي أو تشريعي من الله.

لو كان الله محترما و هو ليس كذلك بالقطع لما سعى لإستعباد الناس و قهرهم و إلزامهم بطقوس غبية لإذلالهم و لما أرغى و أزبد و هدد و توعد بالويل و العذاب و عظائم الامور في كل كتبه الغير مقدسة ..

لماذا يهتم الله بالإنسان ؟

يعني لو إفترضنا جدلا ان هناك خالق هو الله, لماذا يسعى لإستعباد الإنسان ؟

بل لماذا يهتم بالإنسان أصلا دونا عن بقية مخلوقاته ؟

هذا سؤال مهم جدا لمن يتدبر …

فما الفرق بين الإنسان و القرد بالنسبة لله العظيم الفخور جدا بنفسه لحد الغرور ؟

المفروض أن الله خلق الإنسان كما خلق بقية المخلوقات جميعا.

فما هي قيمة الإنسان لكي يعيره الله أي إنتباه خاص و لماذا يستحق كل هذا الإهتمام ؟

من وجهة نظر الله أتصور أن الإنسان لا يساوي شيئا ..

إن وجود الله يعني أن وجود الإنسان لا قيمة له ..

لذلك يجب أن يكون الله عدما ليرث الإنسان مكانة الإله.

لكن الله في الأديان لا يبدو كإله خارق بل كخادم للإنسان ..

هو يخلق حديقة كبيرة و يملأها بالطيبات من أجل راحة الإنسان أو يقيم نارا عظيمة من أجل عذاب الإنسان أو يستجيب لدعاء الإنسان و كأنه مجرد خادم حقير لنزوات و رغبات الإنسان و ليس إلها عظيما جبارا.

يكفي أن يصلي المرء لله حتى يستجيب للدعاء و كأنه جني علاء الدين ..

إن كل هذا الإهتمام الذي يبدو على الله بتصرفات الإنسان يكشف بوضوح شديد ( على الأقل بالنسبة لي ) أن الله من صنع الإنسان و ليس العكس.

كان الإنسان القديم بحاجة إلي هذا الوهم فكذب على نفسه ثم صدق الكذبة و علمها لأولاده من بعده ..

إخترع الإنسان القديم الله لكي يشعره بالأهمية و الإهتمام و يحيطه بالرعاية الكاذبة.

الحقيقة أجمل من الوهم

لكن الحقيقة أجمل بكثير ..

نعم , الحقيقة أيا كانت هي أجمل من ألف وهم جميل يخدر الأعصاب و يسري في الأوصال.

الحقيقة لها لذة خاصة .. طعم مميز في الحلق يجعلك تعرف أنها الحقيقة.

يجب ان يكون الإنسان ناضجا و سوي نفسيا و مستعد لفهم و إستيعاب الحقيقة, لكي يتنازل عن فكرة أن هناك شخص بقوة الإله يدلله و يشرع له و يسهر على راحته و يغضب أو يفرح لتصرفاته و يحميه من الشر و ينفذ طلباته ..

الحقيقة هي انه لا يوجد إله و لو كان هناك إله فهو إله لا يعبأ بالإنسان و لا يهتم به او بتصرفاته أو بطلباته التي لا تنتهي.

لكن في الأديان التقليدية العلاقة بين الإنسان و الله هي علاقة عبودية مشتركة بين الإنسان و الإله, بمعنى أن الإنسان عبد لله و الله عبد للإنسان.

الله يطلب من الإنسان أشياء ينفذ منها الإنسان ما يشاء, و الإنسان كذلك يطلب من الله أشياء ينفذ منها الله ما يشاء.

يعني نظريا الله هو الآمر الناهي و لكن فعليا العبودية لله متكافئة للعبودية للإنسان.

لكن المشكلة ليست في الحقيقة الفعلية, المشكلة هي في مشاعر العبودية و الخشوع التي يكنها الإنسان لفكرة الإله مع أنها فكرة قديمة و متهالكة و لا تصلح لعصرنا الحاضر.

الله ليس ذاتا فعلية بل هو فكرة او معنى حافظ عليه الإنسان عبر التاريخ حفاظه على مكانته و تصوره المتضخم عن ذاته, و عموما لقد آن الأوان للإنسان أن يتخلص من عبادة الوهم لكي ينضج ..

الصورة النمطية للإنسان الخارق هي الإله : كل أحلام القوة و السيطرة تلخصت في شخصية كرتونية.

مع أن الإنسان الجديد أصبح من القوة و النفوذ على الأرض ما يوازي الآلهة القديمة إلا أنه لم يثق في نفسه بعد بالدرجة الكافية ليتخلص من فكرة الوصاية عليه و العبودية التي يخضع لها.

العبودية للوهم ..

يعني العبودية لله لا تتعارض مع العقل فقط بإعتبار أن الله وهم بل تتعارض مع الكرامة الإنسانية و تعتبر خيانة لكل البشر.

لا يجب أن نسمح لكائن فضائي خارق أن يسيطر علينا و يبتزنا بتلك الطريقة المريعة التي تطلبها الأديان.

فسواء كان الله موجودا ام لا, قويا خارقا ام لا, يهتم بالبشر أم لا .. لا يجب أن نتطلع إلي منقذ او مخلص من خارج كوكب الأرض.

الفكرة نفسها مهينة لنا جميعا ..

أليست الكرة الأرضية هي منبع الحياة و التي أنجبت الكثير من العلماء و الفطاحل على مر العصور .

ما الذي نتطلع إليه في فكرة الله و لا نجده في عالم الواقع ؟

إن واقعنا غني .. غني جدا بكل ما هو خير و جمال.

غني لدرجة تكفينا و تفيض علينا بحيث لا نحتاج الإيمان بالأوهام.

لكن المؤمنين بالله يكفرون بالحياة و العقل و الإنسان من أجل ان يؤمنوا بالله.

من أجل فكرة عقيمة و خرافة تافهة كتلك يخسرون أنفسهم و حياتهم و إحترامهم لأنفسهم.

لذلك يجب ان يموت الله كما تنبأ نيتشة ..

يجب أن يموت الله ليحيا الإنسان عظيما.

أشهد أن لا آلهة و لا رسل و لا أنبياء .. و أشهد ان الوجود كله مادي و طبيعي

في مقابل الشهادتين الإسلاميتين و قانون الإيمان المسيحي يتلخص الإلحاد في هاتين الشهادتين. أن يشهد المرء بان لا إله و لا حتى الله و أن ينكر وجود رسل من عند الآلهة أو أنبياء قادرين على التنبوء بالمستقبل فإن هذا يجعله ملحدا.

في الواقع أن الآلهة و الملائكة و الشياطين و الجن و العفاريت و الأشباح و كل الشخصيات الدينية الخيالية لا تختلف عن الشخصيات الخيالية الكرتونية أو السنيمائية أو الأدبية مثل سوبرمان و باتمان و سبايدرمان و النينجا ترتلز و دراكيولا و الباور رينجرز و غيرهم ..

كلها شخصيات وهمية من وحي الخيال المتقد للإنسان و أمانيه بتجاوز الطبيعة و المادة.

الله مثلا شخصية خيالية تجمع بين المتناقضات بطريقة تكشف لنا إستحالة وجوده في عالم الواقع. فهو حي و لكنه لا يموت مع إن كل حي يموت كما نعرف, و هو موجود و لكنه غير مادي مع إن كل كائن موجود بالمادة أساسا.

إن الله يلخص طموحات الإنسان في أن يتجاوز الزمن و الموت بالخلود و ان يتجاوز قدراته المادية عموما بالألوهة مع إن الحقيقة هي أن الوجود كله مادي و طبيعي.

الوجود كله مادي بمعنى أنه لا يوجد ما يفوق المادة فلا توجد روح مثلا بل إن الإنسان كأي حيوان آخر كائن حي بجسده المادي الذي يعمل مثل الآلة المعقدة.

و الوجود كله طبيعي بمعنى ان الوجود كله يعمل وفق قوانين الطبيعة التي نكتشفها يوما بعد يوم ..

فالطيور و الطائرات مثلا لا تطير بالتعارض مع قانون الجاذبية بل بالعمل من خلال قوانين الطبيعة.

و هكذا فإنه من المستحيل ان يكون محمد رسولا أو نبيا كما انه من المستحيل ان يكون قد طار في الهواء و تجول بين السماوات و الأرض في الإسراء و المعراج كما انه من المستحيل ان يكون النمل أو الحمار يتكلمون أو أي أسطورة خرافية أخرى من اساطير الإسلام

و بنفس الطريقة من المستحيل أن يكون المسيح قد ولد بدون ان تمارس امه الجنس ( الجنس رائع و محترم و ليس ممارسة نجسة او معيبة بالمناسبة ) أو أن يكون قد مشى على المياة او طار في الهواء أو مات و أقام نفسه أو اقام غيره من الموت. كل تلك خرافات روجتها المسيحية لفترة طويلة و لم تفدنا قط.

و هكذا فإن الإنسان كائن مادي و طبيعي مثل بقية الموجودات, كائن حي جاء بالتطور و الإنتخاب الطبيعي يعني هو ليس مخلوقا بواسطة كائن آخر بأي شكل من الأشكال.

الغرور الموجود عند بعض الناس هو من يصور لهم أن الإنسان من طينة أخرى غير طينة بقية الحيوانات مع إن العلم يقول أن الطبيعة امنا جميعا و ان الإنسان من مملكة الحيوانات, شعبة الحبليات, صنف الثدييات, رتبة الرئيسيات التي تضم الإنسان و القردة, عائلة القردة العليا التي تضم الإنسان و أشباه الإنسان.

في الحقيقة أن الإنسان Homo Sapiens هو مجرد حيوان آخر متطور مثل بقية الحيوانات و لكنه حيوان متميز بذكاؤه و وعيه و حضارته و تطوره الذي يفوق بقية الكائنات الحية.

لكن كل إنجازات و نجاحات الإنسان لا تجعلنا نخترع إلها لكي نتخيل أنه من اوجدنا وجودا فائقا عن بقية الموجودات. نحن من هذا العالم و من طينة الأرض و لم نأت من السماء عن طريق آلهة أو ما إلي ذلك.

نحن خاضعين لقوانين الطبيعة و المادة و نعمل من خلالها لكي نطور حياتنا و وجودنا نحو الافضل.

لا توجد آلهة لكي تنقذنا او تنجينا, و كل الكوارث التي حلت و تحل بالبشرية من زلازل و براكين و أعاصير و تسونامي لم تنفع فيها صلاة او ترجي. لا توجد إلا سواعدنا و عقولنا و ليس لنا إلا بعضنا البعض, أن نساعد انفسنا و نتحد فلا تفرقنا الأديان عن بعضنا و لا تلهينا الخرافات عن مواجهة الواقع.

إن الحقيقة مهما كانت صعبة أو مؤلمة لهي أفضل من الخرافة مهما كانت جميلة أو براقة, فجهنم الحقيقة ولا جنة الخرافة, بل إن الحقيقة هي الأجمل دائما و هي التي يجب ان نعتمد عليها في حياتنا.

أما وسيلتنا لمعرفة الحقائق فهو عن طريق العلم التجريبي الذي لا يعرف خواطر أو محاباة.

العلم الذي لا يمجد إلا الحقيقة العارية المجردة ..

لذلك فنحن كملحدين نعتمد على العلم و نحتفي بالعلماء و على رأسهم تشارلز دارون الذي علمنا حقيقة تطور الإنسان المفرحة.

نحن لا نؤمن بالله و لكننا نصدق العلم و العلماء لأنهم قد أخذوا على عاتقهم معرفة الحقيقة المجردة.

نحن لا نؤمن بالله لأننا نؤمن بالإنسان بدلا منه.

نؤمن بأن غدا أفضل ينتظرنا جميعا و أننا قادرون على تحويل أرضنا الجميلة إلي جنة حقيقية بدلا من تمني جنة وهمية كما روجت لها الأديان الخرافية

أنا فرحان لانه لا يوجد إله

هناك مثل مصري شهير يقول : إن غاب القط إلعب يا فار

أنا لا احب هذا المثل.

إن الخوف الذي يعيشه الفأر من القط هو خوف معيب و جبن مهين, و انا لم احب ان اكون جبانا ذات يوم لذلك فأنا لا اتبع المثل.

يعني لماذا ينتظر الفأر غياب القط ليلعب ؟

لماذا لا يلعب رغم أنف القط ؟

و لماذا لا يمارس عملا جادا في غياب القط ؟

لماذا يعيش الفار جبنه و لا يثور على القط أبدا ؟

الإجابة هي لانه مجرد فأر, حيوان خاضع لطبيعته و لا سلطان له عليها.

هذا هو قدر الفار الذي لا مناص منه.

لكن ماذا عني انا, او الإنسان بوجه عام.

ألا أستطيع تغيير قدري ؟

ألا أستطيع ان اكون شجاعا ؟

ماذا أفعل و ما هو موقفي بعد ان عرفت أنه لا يوجد إله ؟

هل ساكون مثل الفأر الذي غاب قطه ؟

لا, لن اعيش حياتي كفأر. صحيح أن الإله ليس موجودا و لكن هذا لا يجعل الحياة اسهل بل أصعب.

إن غياب او موت او عدمية الإله يجعل الحياة مسئولية كبيرة, فالآن انا مسئول عن كل قرار اتخذه و كل تصرف أقوم به لأن الإله قد تم إعفاؤه من تلك المسئولية بغيابه. الآن انا شخص ناضج لأن من كان وصيا علي قد مات و عموما انا قد كبرت على وصايته. لهذا لن أكون فارا و سأحيا حياتي بوعي و مسئولية ..

و لكن ليس معنى أنني لست فأرا انني ساعيش حياتي كما لو كنت عبدا للإله, فهكذا ايضا ساكون فارا. لكي أكون إنسانا علي أن اعيش حياتي بإختيارات الإنسان و ليس كما يريد الإله او حتى بعكس ما يريد الإله. علي ان أعرف ما الذي أريده أنا حقا و ليس ما لا يريده غيري حتى و لو كان إلها معدوما.

في البداية أنا لن انكر أنني فرحان لانه لا يوجد إله. ساكون نكديا و متشائما لو انكرت ان تلك حقيقة مفرحة. نعم انا فرحان و أتمنى لو كنت شاعرا لاكتب القصائد أصف بها مشاعري و سعادتي بغياب الطاغوت الاوحد إله الاديان. أريد أن أقيم إحتفالا دائما فرحا بالحياة التي بلا إله. فرحا بالحياة في ظل الحرية و الكرامة و السعادة. الآن أستطيع أن احيا حياتي دون قلق او خوف من الصراع مع كائن جبار خارق للطبيعة و المادة.

صحيح أن الحياة بدون إله لا تخلو من التحديات و لكن التحديات لم تعد خارقة او مستحيلة لأن التغلب على كائن بقوة الإله يكاد يقترب من المستحيل لكن الحياة حلوة بدون إله لأن هذا يعني ان المهام المستحيلة او بالغة الصعوبة قد إنتهت و لم يتبقى إلا التحديات الممكنة و القابلة للإنجاز. الآن لم تعد السماء مقفولة علينا بل أصبحت فلكا كبيرا ينادي العلماء و المغامرين.

إما العبودية أو جهنم

لكن أكثر ما يسعدني حقيقة هو ان جهنم أيضا خرافة. فأنا لم أعد مضطرا لقبول العبودية للإله هربا من جهنم, لانه إما العبودية او جهنم .. خياران احلاهما مر.

لكن الآن لم أعد مهددا بجهنم او موعودا بجنة للاغبياء الشهوانيين, لم أعد مطالبا بالعبودية في جنته او الحرية في ناره. إن وجودا يحتكره الإله دون ان يترك و لو مساحة صغيرة لنا نحن البشر لهو الوجود في جهنم بالفعل بغض النظر عن افضلية المكان.

جهنم التي ابدعها الجزء الجبان في العقل البشري كانت و ستظل إلي حين رعبا للكثيرين. رعبا يجعلهم فئرانا يحيون في خشية القط, رعبا يجعلهم عبيدا يخافون الهرب من السيد الذي يملكهم. رعبا يشل التفكير و يمنع الحركة و يقتل الشجاعة قتلا.

و لولا هذا الرعب الرابض في اللاوعي عند كل كل مؤمن لترك المؤمنين بالآلهة إيمانهم أفواجا. إنه الرعب و ليس أي شيء آخر الذي يربط المؤمن بإلهه. و التخلص من هذا الرعب حقيقة لا يعني سوى الإلحاد. لذلك فإن الإيمان بالآلهة هو ديدن الجبناء و الخوافين. بينما الإلحاد هو قدر الشجعان و المغامرين.

أنا ملحد و لو كان الإله موجودا

طبعا اعرف ما هو اول ما سيتبادر للأذهان حين تقرأ تلك العبارة ..

كل تلك الشجاعة في مواجهة الإله هي بسبب إنني أعلم علم اليقين أنه ليس موجودا. لكنني لو كنت اظن و لو للحظة ان الإله موجود لخضعت له مثل الكلب الوفي أو حتى الفأر الجبان.

و انا اجيب بأن الشجاعة أفضل من الجبن في جميع الأحوال و أيا كانت أسبابها. يعني الشجاعة في غياب الإله هي أفضل من الجبن في غيابه ايضا.

لماذا لا أكون شجاعا و انا أعلم انه ليس موجودا ؟

هل أنا مضطر لان اكون جبانا في حضوره و غيابه أيضا ؟

و عموما حتى لو كان الإله موجودا فانا ملحد لا محالة ..

أنا ملحد أساسا لان الإله غير موجود و تلك حقيقة يجب ان اتكيف معها لكن لو كان موجودا فساعترف بوجوده أيضا من باب الإعتراف بالحق و لكنني ساتعامى عنه مع ذلك و اتجاهله تماماو كانه غير موجود.

سأعيش حياتي بالطول و العرض دون خوف من الإله حيا كان أو ميتا, موجودا كان او معدوما.

هذا قرار نهائي و لا رجعة فيه أبدا, و انا على إستعداد لتحمل عواقب هذا القرار كاملة ..

يعني الإلحاد بالنسبة لي موقف مبدأي كما أن التمسك و الإعتراف بالحقيقة موقف مبدأي ايضا و من حسن حظي ان هذين الموقفين لا يتعارضان أبدا.

أنا ملحد أولا لان الإله معدوم و أنا أقبل الحقائق الواقعية كما هي ..

و أنا ملحد لسبب آخر و هو أنني أرفض العبودية لأي إله أيا كان.

إلحاد مركب منيع ضد اي خرافة او هجمة دينية أو إيمانية.

أنا ملحد في عالم بلا إله.

لماذا يكذب علينا المجتمع ؟

لكن إذا كان العالم بلا إله حقا فلماذا يكذب علينا الناس و يخدعنا المجتمع ؟

لماذا يتم تلقين الطفل منذ صغره أن هناك كائنا خياليا إسمه الله و هذا الكائن يملكنا و يخيفنا في نفس الوقت ؟

في الحقيقة لا أحد يؤمن حقا أن الإله موجود و لكن الحكاية هي إختبار ذكاء لا اكثر.

حقيقة صادمة أليس كذلك ؟

لا أحد يؤمن ان الإله موجود ؟!!! كيف يكون هذا ؟

الدليل بسيط ..

لو كان أي إنسان متاكد بنسبة 100% ان الإله موجود و أن دينه حق لماذا لا ينقطع للعبادة و الطقوس لكي يضمن الجنة ؟

ما أهمية العالم بما فيه إن كان الموت يعقبه الخلود في جنة او نار ؟

لكن لا احد يهب نفسه لخدمة الإله او الجهاد في سبيله لأنه يعلم بكل بساطة أن الإله غير موجود.

الأغبياء و محدودي الذكاء فقط هم الذين يعتقدون حقا ان هناك إله و هم قلة قليلة جدا.

الله هو مجرد عرف إجتماعي لا أكثر و ليس إيمانا فرديا حقيقيا ..

نادرا ما وجدت من يؤمن حقا بان الإله موجود و حين كنت اجد واحدا كنت اجده شخصا مسكينا محدود الذكاء جدا.

التقوى و الإلتزام بالطقوس الدينية المتفشية في المجتمع هي مجرد نفاق إجتماعي و لا علاقة لها بالإيمان بوجود الإله حقا ..

طيب, إذا كان الكل لا يؤمن بوجود الإله ما الذي يميز الملحد عن اي واحد آخر ؟

الملحد هو ثائر على هذا النفاق الإجتماعي ..

الكل يعرف أن الإله ليس موجودا و لكن لا أحد يريد ان يقولها علانية.

عموما فالناس يكذبون على بعضهم البعض و يخدعون بعضهم البعض و تلك ليست أول و لا آخر خدعة.

المشكلة أنني كنت أصدق ذات يوم ان الإله موجود بل و كنت اعتقد أن كل الناس تصدق ذلك.

الحقيقة هي أن كل الناس ملحدون و لكنهم ينكرون جبنا و نفاقا.

و يخدعون الأطفال الصغار بحكايات الإله لانهم يظنون هؤلاء الصغار وحوشا لاأخلاقية و لذلك يريدون السيطرة عليهم.

إن المنظومة الإجتماعية التي تنشر كذبة الإله فاسدة تماما ..

لابد من نظام إجتماعي يعلم الناس الصدق و الشجاعة و أهمية العلم و الإلحاد.

لابد أن ينتشر الخبر المفرح بين الناس : الله مات و نحن الذين قتلناه

فلنفرح سويا بتلك الحقيقة التي طالما أنكرناها ..

فلنفرح لأنه لا يوجد إله.

إسرائيل .. ما لها و ما عليها

تل أبيب في المساء

تل أبيب في المساء

 

اعتقد أننا كلنا تربينا على عداوة إسرائيل منذ الصغر ..

في وسائل الإعلام من تليفزيون و صحف و إذاعة كما في المدرسة و حتى المنزل.

الغالبية الساحقة ممن يتحدثون العربية أو يدينون بالإسلام يكرهون إسرائيل و الإسرائيليين كراهية عمياء بغض النظر عن أفعال الدولة العبرية فعلا.

و أنا لا أنكر بصراحة أنني كنت أكره هذا الشحن المتواصل ضد دولة و شعب بسبب و بغير سبب, شحن غير آدمي يتعامل معي و معنا على اننا حيوانات موجهة لا تفقه و لا تفهم ..

هذا الشحن المتواصل تسبب لي في نتائج عكسية, يعني انا لم أقع في هوى إسرائيل بقدر ما صرت أحترمها لقوتها و ذكاءها و سعة حيلتها, دولة وحيدة عمرها ستون عاما لا أكثر و تقف بطولها ضد دول عمرها خمسة آلاف سنة أو أقل ..

بل رغم أنها دولة مؤسسة أساسا على أساطير دينية خلاصتها وعد إله مزعوم بأرض الميعاد إلا أن اليهود إستطاعوا إنشاء نظام علماني منذ ميلادها, علماني باكثر من اي دولة في منطقة الشرق الأوسط ..

إستطاعوا إنشاء نظام ديموقراطي ليبرالي بلا أي جدل .. نظام يسمح بمحاكمة حتى رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية. و إن كانت إسرائيل تمارس أي سياسات عنصرية أو متحيزة ضد العرب و المسلمين في دولة إسرائيل إلا انها على الأقل تعامل العرب و المسلمين المتجنسين بالجنسية الإسرائيلية بافضل مما يعامل أي نظام في الشرق الأوسط اليهود المتجنسين بالجنسية الوطنية ..

يكفي أن نظام عبد الناصر قد طرد اليهود من مصر طردا بينما لم تطرد إسرائيل عرب 48 على الأقل بشكل مباشر مثلما فعل نظام ناصر و غيره ..

أنا أعتقد صدقا اننا لو قارنا إسرائيل بأي دولة شرق أوسطية ( و أنا اعني اي دولة ) ستكون المقارنة لصالح إسرائيل ..

بأي مقاييس موضوعية فإن إسرائيل دولة ديموقراطية و علمانية و تقدمية باكثر من أي دولة في تلك المنطقة المنكوبة بالديكتاتوريات الفاشية ..

لكن ..

ماذا عن المذابح التي قامت بها إسرائيل : دير ياسين، صبرا وشاتيلا، قانا و غيرها ..

ماذا عن الميول التوسعية و العدوانية التي صاحبت إنشاء الدولة و ربما إلي وقت قريب جدا ..

بالتأكيد تلك الدولة لها خطايا كثيرة لا تنكر و خصوصا أن عمرها ليس بالكبير ..

ثم إن الشحن المتواصل ضد دولة إسرائيل لا ينفي أنها قد إحتلت فلسطين فعلا و طردت شعب باكمله من أرضه ..

عموما كل الدول القومية قامت على العدوان و التوسع لكن ما لا أستطيع أن أنساه هنا هو المجازر التي قامت بها إسرائيل ضد المدنيين في أوقات كثيرة و العدوان الغير مبرر أيضا, و الوسط الذي يحيط بالدولة عدواني جدا و يحتاج من الدولة الناشئة إظهار القوة و القسوة معا.

بل إن أي دولة في العالم لها خطاياها ..

يعني أمريكا نفسها و التي هي راعية الديموقراطية و الحرية كما تشيع, لها العديد من المجازر في فيتنام مثلا و لها مؤامرات على أنظمة شرعية في بلاد كثيرة ..

و حتى فرنسا تلك الدولة الأثيرة إلي قلبي و التي قادت العالم إلي الحرية و العلمانية بثورتها الفرنسية لها مجازر شنيعة في الجزائر و مستعمرات اخرى ..

إذن في هذا العالم لا توجد ملائكة .. تلك حقيقة مرة يجب أن نتقبلها.

لا وجود لليوتوبيا الملائكية و لا الدولة النموذج الفاتحة ذراعيها لكل الناس و نتتصر للمظلومين من كل الأديان و القوميات ..

طبعا انا لا أنكر ان الدول الأوربية بالذات قد حققت طفرة باي مقياس ..

و لا أنكر أن الدولة الإسرائيلية لها إنجازات كبيرة في حقوق الإنسان اليهودي و بعضها للعربي.

لكنني لا أستطيع أن أنكر أيضا ان إسرائيل دولة مكونة من بشر و البشر يخطئون ..

كلنا نخطئ في الواقع لأنه لا احد كامل .. الكمال وهم ديني فاسد.

و الملائكة و الشياطين هي أوهام دينية أيضا فلا وجود لدولة من ملائكة او دولة من شياطين.

الإسرائيليين بشر و الفلسطينيين بشر و كل دولة في العالم إمتلكت بعض القوة إرتكبت الكثير من المذابح.

كل الدول مذنبة و كل المواطنين مذنبين و لسنا ملائكة لكي نظن ان الإسرائيليين شياطين, و لسنا شياطين لكي نظن أن الإسرائيليين ملائكة.

كلنا نخطئ ..

لكن إذا كنا كلنا نخطئ فهذا لا يعاني أن ننتصر للخطأ او ننتصر للمخطئ ..

و إذا كانت إسرائيل (و هي بالفعل) دولة مثل أي دولة اخرى لها إنجازات و إخفاقات, امجاد و عار ..

فإن هذا يعني أننا يجب ان نراها كما هي بكل موضوعية ..

ان نقول نعم حين يسالنا احدهم : هل إسرائيل كدولة لها أي إيجابيات ؟

و أن نقول نعم ايضا حين يسالنا آخر : هل إسرائيل كدولة لها اي سلبيات ؟

نحن بشر نخطئ و نصيب, و إسرائيل لا يمكن ان تظل العدو الأسطوري لكل سكان الشرق الأوسط بل يجب أن نتخطى أوهام الشياطين و الملائكة و نعرف اننا كلنا بشر نستطيع ان نتعاون و نتحد و نتصادق بدلا من أن نخطئ و نرتكب المجازر و الفظاعات ..

يجب ان نجرم إسرائيل حين تخطئ بحرية كاملة ..

لكن يجب أن نصفق لها حين تنتصر لايا من قيم الحياة و العدالة بحرية كاملة أيضا.

لا نتعامى عن إنجازاتها و نجاحاتها و لا نتعامى عن عدوانها و مجازرها.

إنها دولة بشر و الإنسان منذ فجر التاريخ بداخله الشيطان و الملاك, يعني لا غرابة في الموضوع.

إنها الحياة على حقيقتها بعيدا عن الشحن الإعلامي العربي ..

إنها إسرائيل بكل ما لها و ما عليها.

الله أصغر و الإنسان أكبر (جزء 2)

(5)    الله ثابت و الإنسان متطور

لأن الله كامل و لانه لا يحتاج شيئا و لا ينقصه شيء و لأنه منزه عن الشعور و الإحساس فهو ثابت دائما لا يتغير و لا يتبدل  سواء للأسوا أو للأفضل لانه كامل كمال مطلق. طبعا و بغض النظر عن كل عيوب الكمال التي يعاني منها الله فإن من أسوا مشاكله انه ممنوع من التطور او التغير من حال إلي حال.
فالله لا يتعلم أبدا لانه يعلم كل شيء و بذلك هو محروم من خبرة التعلم و متعته و من فخر الترقي في الحياة. و الله كذلك لا يخترع أي شيء لأنه لا يحتاج أي شيء فالحاجة هي أم الإختراع, و هو لا يبدع و لا يتفاعل و لا ينفعل و لا أي شيء بل هو ثابت مثل الجبل لا يحرك ساكنا.
هذا هو الله ؟!! مسخ لكنه كامل و معصوم من الخطأ, إنه حتى لا يخطئ أبدا. لا يجرب و لا يتعلم, أي إله هذا ؟!
أما الإنسان, يا عيني عليه !! صعد سلم التطور من بدايته منذ ان كان كائن وحيد الخلية يمرح في المياة إلي أن غزا القمر و إكتشف قاع المحيطات و أصبح سلطان البر و البحر و الجو و البقية تاتي.
يعني ربما يكون الله كامل لكن الإنسان بتطوره المستمر قادر على الوصول إلي الكمال و تخطيه, إن الكائن المتطور أفضل من الكائن الكامل لان الكائن المتطور يحيا على أمل العبور إلي اللانهائية و ما بعدها يوما ما. أما الكامل فهو ثابت و رتيب و ممل و ليس لديه أي أمل في أن يكون أفضل حالا في يوم من الأيام و الزمن يعبر عليه دون أي إلتفات لانه ببساطة ثابت.
إن الكمال الإلهي هو سجن فولاذي من الثبات و الديمومة يرزح فيه الله و يتلوى. سجن لا يستطيع أن يخرج منه أبدا إلا بتخليه عن كماله و الوقوع في الأخطاء, هكذا يصير كائنا حيا ينمو و يكبر و يتطور مع الزمن, هكذا يصير الزمن له معنى. لكن كمال الله لا يجعله كائنا حيا وفقا لاي تعريف لان كل كائن حي ينمو و يكبر و يموت اما ما لا يموت فهو ليس حيا و لذلك فالكمال المطلق لا يمكن ان يكون كائنا حيا.
لكل هذا لا يمكن ان يكون الكمال و الثبات اللذان يتصف بهما الله يشكلان اي ميزة يفخر بها لان الكائن الأكثر تطورا هو الأفضل بالتأكيد.

(6)    الله عبث و الإنسان معنى

هناك مقولة إقتصادية شهيرة تقول ان الندرة أساس القيمة ..
و هي تعني أن أي شيء في الوجود لا يكتسب قيمة إلا إذا كان نادرا, فكما في السوق مثلا كلما شحت البضاعة كلما غلا ثمنها و كلما توفرت في السوق كلما رخصت و قل ثمنها, الهواء مثلا هو بلا قيمة إقتصادية لانه متوفر لكل الناس بينما يكتسب قيمة في الأماكن التي يشح فيها الهواء مثل أعماق البحار و أعالي الجبال و خارج المجال الجوي. و هذا تقريبا ينطبق على كل شيء حتى القيم المعنوية مثل الحب و الصداقة و الوفاء و الذكاء فتلك الأشياء كلما شحت كلما أصبحت أكثر قيمة.
و هكذا الله, فلان عمره لا ينتهي تصبح حياته بلا قيمة بينما العمر المحدود قيمته كبيرة.
أقول إن أحد أوجه عظمة الإنسان بالمقارنة مع الله هو إن حياة الله بلا معنى و هو نفسه بلا معنى بينما الإنسان له و لحياته معاني كثيرة عظيمة .. لماذا ؟
أولا : حياة الله بلا معنى لانها مديدة لا تنتهي بينما حياة الإنسان لها قيمة لانها محدودة, فالندرة هي أساس القيمة و لان حياة الإنسان بضاعة نادرة لذلك هو يسعى إليها و يتمنى لو عاش أكثر اما العيش للأبد فهو كالسجن المؤبد بلا نوافذ او مهرب, إن الله لا يستطيع الهرب من الحياة و لا يقوى على الفكاك منها, فالخلود لعنة اخرى يعاني منها الله ..
ثانيا : حياة الله بلا قيمة و لا معنى لانه وحيد و وحداني و ليس جماعة و بالتالي فهو لا يعيش من أجل احد و لا أحد يعيش من أجله بينما الناس تعيش من أجل بعضها البعض و تتشارك و تحب و هذا يعطي معاني لحياتها.
ثالثا : الله بلا معنى لانه لا يتغير و لا يتطور فهو ملعون بالكمال و الكمال لعنة لانه يعصم الله من التغير و التطور  فيكون كائن بليد و ممل و بلا قيمة ..
رابعا : الله منزه عن المشاعر البشرية و من ضمنها السعادة و بالتالي فهو لا يسعى للشعور بالسعادة, فلا سبب لوجوده في الحياة و إلا فلماذا يعيش ؟ يعني إذا كان الله محروم من أن ياكل طعاما شهيا او أن يمارس جنسا رائعا مع فتاة بارعة الجمال إذن فلماذا هو إله بل و ما اهمية وجوده أصلا ؟
إن الله بتلك الطريقة هو بلا هدف في الحياة فهو لا يحتاج شيئا و لا يشعر بشيء و بالتالي هو لا يعيش من أجل تحقيق هدف ما فهو كائن تافه عديم الهدف بلا معنى أما الإنسان فلأن له إحتياجات كثيرة فكذلك له اهداف كثيرة و حياته تكتسب معنى من نجاحه في تحقيق تلك الاهداف.
فأي سبب من الأسباب السابقة كافي لوحده لكي يثبت أن حياة الله بلا معنى و لا قيمة و هكذا فإن الله يعيش عمرا مديدا في حياة فارغة تافهة موحشة بينما الإنسان اعظم منه بالتأكيد لانه لا يعاني من نقائص الإله و مشكلاته و لا من إفتقاره إلي المعنى.

(7)    الله فاسد و الإنسان اخلاقي

هناك عبارة مشهورة تقول : إن السلطة مفسدة, و السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ..
طبعا تلك العبارة لم يكن المعني بها هو الله مع انه الوحيد صاحب السلطة المطلقة في الكون و الذي تنطبق عليه العبارة, لكنها نشات كمقولة عامة فحواها أن الأخلاق تحتاج لكي تدعم بالرقابة لكي لا ينفرد صاحب السلطة بالنفوذ و يستغل السلطة بطريقة لا أخلاقية. فأي ديكتاتور يملك سلطة مطلقة في بلده يصعب عليه ألا ينحرف أو تغريه السلطة. و أي إله يملك سلطه مطلقة لن يجد ما يمنعه ان يفعل ما بدا له و هو الحادث فعلا.
فالله يبدو أنه فوق أي معايير أخلاقية, يعني هو مثلا يامر الأنبياء بالقتل و القتال للناس الكفار :
{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون } (التوبة:29)
{ فالآن اذهب و اضرب عماليق و حرموا كل ما له و لا تعف عنهم بل اقتل رجلا و امراة, طفلا و رضيعا, بقرا و غنما, جملا و حمارا } (صموئيل الأول : 15)
بل حتى انه أمر إبراهيم بذبح إبنه دون ذنب كما انه يهلك الكثير من الناس بسبب و بدون سبب. ثم انه يمنع الناس من فعل الزنى بينما يزني هو مع مريم العذراء دون زواج لكي ياتي بالمسيح. إن الله من الناحية الاخلاقية لا يردعه رادع فهو يتجسس على الناس و يقتلهم و يوزع الأرزاق على محاسيبه و اتباعه دون وازع من ضمير. بإختصار إن الله لا يمسك عن فعل أي شيء بدوافع اخلاقية فهو يفعل ما بدا له طالما انه يستطيع, و لانه قادر على كل شيء فهو يقوم بكل شيء و لو أنه كان على خلق لإمتنع عن بعض السلوكيات بإرادته الحرة لكي يضرب للناس مثلا و يصير لهم قدوة صالحة.
إن اي كائن أخلاقي هو رقيب على نفسه قبل ان يكون الآخرين رقباء عليه فهو يرفض السرقة حتى لو أتيحت له الفرصة و يمسك عن إيذاء الناس و لو حتى كان سيفلت دون عقاب و هذا ما يفعله فعلا الكثير من الناس لان الإنسان كائن أخلاقي بطبيعته يرفض الشر و يسعى للخير فيما عدا بعض الحالات الشاذة التي لا تكسر القاعدة. أما الله فهو غير أخلاقي لان السلطة أفسدته فهو لا يرتدع و لا يهتم باي قيم أو معايير قادر على إبادة مدن باكملها أو إرسال طوفان كبير يفني فيه كل الناس, بل إنه يفعل ما بدا له ثم يبرر لنفسه ما يفعل في كتبه المدعوة مقدسة.
ثم يقولون ان الله سيحاسب الإنسان على خطاياه في يوم الحساب مع إن الإنسان صالح و أخلاقي أكثر من الله.

(8)    الله مسير و الإنسان مخير

حين يجري النمر خلف الغزالة بالمشوار لكي يصطادها و ياكلها لا يكون شريرا او طيبا و إنما هو يتصرف تبعا لطبيعته و غرائزه. لكن الإنسان هو الذي يمتنع عن قتل الحيوان حين يستطيع فهو يتصرف تبعا لإرادته و الخير الساكن فيه. إننا لا نجد أبدا حيوان يمتنع عن قتل فريسته من باب الشفقة لكن الإنسان يفعلها كما يفعل الكثير من الأشياء الطيبة الأخرى. و هذا لا يجعل الإنسان أخلاقي بينما الحيوان لا اخلاقي فقط بل أيضا يجعل الإنسان مخير بينما الحيوان مسير.
أما الله فهو لا يختلف عن الحيوان في شيء فهو أيضا لاأخلاقي لانه لا يمتنع عن الإيذاء حين يقدر عليه بالإضافة إلي أنه محكوم بطبيعته الإلهية الكاملة التي تجعله يتصرف وفقا لها.
إن طبيعة الله الكاملة هي التي تحدد له سلوكياته و أفعاله فهو لا يخطئ أبدا و لا يستطيع أن يخطئ لأنه كامل معصوم من الخطأ, طبيعته الكاملة تسيره كما تسير الطبيعة الحيوان. و هكذا فإن الله لا يختار أفعاله أو ردود أفعاله بل هو يتصرف كما لو كان مبرمج تبعا لكماله و عصمته من الخطأ. و دليلي على ذلك هو ان الله لا يخطئ أبدا, أليس كذلك ؟ إذن هو مسير. لأن من يختار الخير او الشر يصيب أحيانا و يخطئ أحيانا كالإنسان مثلا فهو مخير و يميل لفعل الخير اما الله فهو مسير كالحيوان على تصرفات لاأخلاقية و بالتالي هو يفعلها دون وعي. نعم, الله المسير هو بلا وعي لانه لا يخطئ أبدا. تلقائي كالحيوان, كالنمر الذي يجري خلف الغزالة دون ان يدري لماذا يفعل ذلك أو يفكر هل لديه إختيارات أخرى ام لا.
إن الله كائن لا يعرف الطريق لحرية الإختيار بين الخطأ و الصواب لانه مفطور على فعل الصواب لذلك فهو مسير و بلا وعي. فطرته هي الكمال و لهذا هو يدفع الإنسان لكي يكون مبرمج مثله على تصرفات معينة يفعلها دون وعي فلا يتدبر في تصرفاته و لا يتعلم من أخطاؤه. لكن الإنسان الحر العظيم يابى إلا أن يختار و يريد و يحارب من أجل خياراته فيخطئ أحيانا و يصيب احيانا. فهو ليس مسيرا بل مخير و مريد, و بالعزيمة و القوة ستنفذ إرادة الإنسان فوق كل الآلهة.

الخاتمة :

====

في النهاية تصير عبارة “الله اكبر” تلك بلا معنى و بلا داعي لتكرارها, بل من الاولى لو قلنا ( الإنسان أكبر .. الإنسان اعظم ).
فالله هذا الغامض الوحداني, الارستقراطي العابث, الثابت المتبلد, الفاسد المسير تبعا لطبيعته الفاسدة لا يمكن ان يكون ندا للإنسان الغني عن التعريف, الإجتماعي العصامي المتطور الحساس الأخلاقي المخير.
كائنين غير متساويين بالمرة و يكفي أن الله لا معنى و لا لزوم له او لوجوده بينما الإنسان يحيا لاهداف و معاني كثيرة في حياته. يكفي أن الإنسان يشعر بالحب و السعادة بينما الله منزه عن الشعور بتلك الأشياء و محروم منها. ثم ياتي بعد ذلك من يقول أن الله اكبر مع انه اصغر و أقل شانا من النملة التي تسعى و لها أهداف في حياتها.
الحقيقة أن الله وهم كبير و لا وجود له أصلا لكن لان الله هو عزة المؤمن و كبرياؤه فلقد رايت أن أفضل ما يمكن فعله هو أن أحاول تفكيك هذا الكبرياء من الداخل لا من الخارج عن طريق التسليم بوجود الله و قبول صفاته و ليس التشكيك في وجوده بالعقل و العلم. فإصطنعت الإيمان إصطناعا و سلمت جدلا بوجود الله لكي أكشفه على حقيقته و أكسر هذا الكبرياء الفاسد الأثيم.
إن الإنسان يخطئ حين يفخر بإلهه, يخطئ في حق نفسه و حق عقله و حق إنسانيته, إنما يجب على كل إنسان أن يرفع راسه عاليا و يفخر بذاته و بإنسانيته,  فقط لانه إنسان.
نحن لسنا بحاجة إلي آلهة لكي نفخر بها و نتطلع إليها لأننا نملك عظمة كامنة فينا و إنجازات لا تعد و لا تحصى. إن الإنسان, هذا الكائن العظيم, إنما يبخس نفسه حقها حين يستعين باسباب خارجية للفخر و العظمة فيخترع إلها و يسميه الله و يخلع عليه كل أسباب العظمة التي يراها الإنسان العادي ضعفا في نفسه, لكن الصورة الصحيحة هي الصورة السالبة, هي إنعكاس الله أكبر في المرآة, هي أن الإنسان أعظم و اكبر من أي إله.
و المجد للإنسان المتطور العظيم.

الله أصغر و الإنسان أكبر (جزء 1)

يتردد في اليوم الواحد نداء “الله أكبر” خمس مرات في كل أنحاء الأرض تقريبا, في أي مكان نجد فيه مسلمين مجتمعين في دار عبادة يجب أن نسمع صوت المؤذن يخبر كل الناس أنهم أقل شانا من الله و إن الله أكبر من كل كبير في البشر و إنه قادر على إكتساح و سحق الإنسانية كلها لو أراد.
لكن في تصوري أن الله لو كان موجودا فإن من قدرته تعالى على كل شيء أنه إستطاع خلق كائنا اعظم منه سماه الإنسان, و جعله أكبر و اعظم منه ثم صار خداما عند الناس يحقق طلباتهم بالصلاة و ينظم حياتهم بقوانينه.نعم, أنا أعتقد أن الله ليس أكبر بل الإنسان هو الأكبر و الأعظم و ليس لان الله معدوم و الجو خالي أمام الإنسان لكي يعتلي عرش الطبيعة و الكون كله و إنما أيضا هو الأعظم و الاكبر في حالة وجود الله و بفرض أنه يتصف بكل الصفات الجبارة التي يحكي عنها من يؤمنون بوجوده. تلك هي الحقيقة بينما كل ما يتردد عن تفوق الله على الإنسان إنما هو خرافات و محض اوهام.
طبعا أنا لا انكر أن الله معدوم و هكذا فإن الحديث عن كبره و صغره هو بلا معنى طالما لم أؤمن بوجوده. و مع إنني بالفعل لا أؤمن بوجود الله أو أي إله آخر إلا أنني لم استطع منع نفسي من التأمل مفترضا وجوده لكي أفكر و أتدبر في معنى إلحادي.
الله بالنسبة لي و بالنسبة لكل ملحد هو أسطورة أو خرافة دينية سيئة السمعة, و لا أصل لها او سند. لكن تلك الأسطورة و هذا الكائن الإفتراضي له سمات و خصائص معينة على قدر قلتها و غموضها إلا أنها هي التي تضطرني للقول أنه ضعيف و مسكين و أقل شانا من الإنسان. و هكذا فإنه بفرض وجوده لا تصح عبادته و لا يستقيم للإنسان إحناء راسه لمثل هذا الكائن الضعيف.
اما عن الأسباب التي دفعتني للقول بان الله أصغر و أقل شانا من الإنسان فهي كالتالي :

(1)    الله مجهول و الإنسان معلوم

أول شكل من أشكال التفوق على الله هو إنه مجهول بينما الإنسان معروف و معلوم . فالله هو كائن غريب و مغمور لا أحد يعرف عنه أي شيء, مجهول الهوية و الذات بطريقة تجعله في حكم المعدوم بإفتراض وجوده.
إن المعرفة هي ما يجعل الكائن موجود عمليا او معدوم عمليا فلو كانت هناك كائنات تعيش على سطح المريخ مثلا و لا نعرف عنها شيئا تكون في حكم المعدومة اما الديناصورات فلأننا نعرف عنها بعض الأشياء ( هل تعرف إذا كان الديناصور يلد أم يبيض ؟ ) فإن لها حضور ما رغم إنقراضها و موتها.
المعلومات التي نعلمها عن الإنسان (كذات و كنوع) هي ما يعطينا التفوق على كائن يفترض وجوده مثل الله. بل إن التفاصيل التي نعلمها حتى عن الاموات من احباءنا و أصدقاءنا هي ما تجعلهم موجودين في ذاكرتنا و أحاسيسنا رغم فناءهم بالموت. بينما الناس الأحياء المجهولين بالنسبة لنا فيعتبروا معدومين بالرغم من حقيقة وجودهم في عالم الواقع. و هكذا الله فسواء كان موجودا او معدوما فهو مجهول بالنسبة لنا و هذا يعطينا نقطة تفوق على هذا اللاه و يجعله أقرب للعدم منه إلي الوجود.
أما الإنسان, سيد الحيوانات الثديية و الزاحفة و العائمة و نجم القردة العليا فمعلوماتنا عنه تزيد بشكل مستمر, بل إن مانعرفه عن أنفسنا يتضاعف كل يوم بينما الله في دنيا النسيان و العدم. على الأقل نحن نعرف عن الإنسان باكثر مما نعرف عن الله و هذا يجعلنا الاعظم و الاكبر و ليس الله. أما من يقول أن الله أكبر فأساله :
هل تعلم عنه أي شيء لكي تقيس و تحكم ؟
هل تعرف شيئا عن ماهيته أو ذاته ؟
بل هل تعرف ما هو حجمه لكي يكون أكبر او أصغر من أي شيء ؟
و حتى لو كان اطول من الإنسان او أعرض فهل يكون في حجم الفيل أو الديناصور ؟
و هل يكون أكبر من الحوت الأزرق اكبر كائن حي معروف على وجه الأرض ؟
إن الجهل بالله يجعلني أفترض ان الله ما هو إلا قزم قبيح و بالتالي فهو أصغر من الإنسان الواحد و بالقطع أصغر من كل البشر مجتمعين.

(2)    الله واحد و الإنسان جماعة

لا أعرف كيف يكون الله أكبر و هو واحد احد فرد صمد, كائن وحيد و مسكين بهذا الشكل لا أصدقاء و لا أنداد و لا أب و لا ام و لا زوجة تؤنس وحدته و لا أطفال يملؤوا عليه الدنيا و يعطوا لحياته معنى … يا حرام.
هل خلقنا لكي نسلي وحدته ؟
كيف يعيش هذا الكائن دون ان يشعر بحب كائنات مساوية له ؟
كيف يتحمل حياته دون أن يشعر بالإهتمام و التعاطف من اصدقاء و خلان ؟
كيف يحيا تلك الحياة الموحشة الباردة وحيدا بليدا في دنياه ؟
بل لماذا يعيش اصلا و من أجل من ؟
حتى من يدعي حبه من الناس يكذب ..
إن من يقول أنه يحب الله إنما يقول ذلك لكي يدخل جنته او لكي لا يبطش به أو لأنه الله ذو السلطان و الجاه. لكن كيف يحبه احد لشخصه و هو لا يعرفه أصلا ؟ بل ما هو معنى الحب اساسا طالما ان الإنسان ليس مساويا لله ؟ إن الحب هو إختيار حر بين أنداد متساويين و ليس بين فيل و نملة.
الله – هذا الكائن المتفرد الوحيد الغامض – سيظل محروما من مشاعر الحب الحقيقية المماثلة لحب الام لإبنها او حب الأب لإبنته أو الزوج لزوجته. حب الند للند, حب الإنسان للإنسان و ليس خوف العبد من سيده المسمى الله.
انا لا أفهم بصراحة لماذا إخترع الناس اليهود و العرب كائن متوحد لكي يصير جبارا و عظيما. كل أمم الأرض إخترعت مجتمعات إلهية مثل الأغريق و المصريين و الهنود و غيرهم. لكن إله واحد لوحده يصعب أن يكون عظيما او سعيدا مثل لو كان إله يعيش في مجتمع إلهي.
فاي عظمة في التفرد و الوحشة, مثل إنسان مقطوع من شجرة, ماتت كل عائلته و ناسه و لم يتبقى له احد, ياللحزن !!
أنا اتصور ان الله هو فكرة حزينة لا اكثر. فكرة تعبر عن مجتمع محروم من الفردانية لدرجة إختراع إله وحداني مثل الله, إن الآلهة كانت دائما هي المثل الاعلى للإنسان و من يخترع مثلا أعلى وحداني بهذا الشكل فواضح أنه يعاني من مشكلة عامة مع التفرد, يعني لو كان المجتمع حر و متسامح مع الفردانية لما إضطر الناس لإختراع إله واحد بل كانوا إخترعوا مجتمع للآلهة يعبر عن حياتهم المرتاحين فيها. لكن إله القبيلة هذا الذي لا يجد إلا نفسه هو إله مريض و مجنون مثل سجين محبوس حبس إنفرادي أو بحار وجد نفسه في جزيرة معزولة, لأن وحدانية الله تلك لعنة عليه, لعنة لا يستطيع ان يتحملها كائن حي.
يعني لو عرفنا أن الإتحاد قوة و الوحدانية ضعف فإن كمال و تفوق الإنسانية يكمن في تكتل البشر و تعاونهم مع بعضهم البعض, في إجتماعهم و حسن تنظيمهم. من المهم جدا ان نحب بعضنا و نشعر بقيمة إخوتنا و تجمعنا لكي لا يصير أي واحد فينا وحيدا و حزينا مثل الله.
فليكن الله عبرة لمن يعتبر و مثالا لمن يريد ان يتدبر في الفرق بين الوحدانية و الإجتماع.

(3)    الله متبلد و الإنسان حساس

الله منزه عن المشاعر الإنسانية. الله لا يشعر بالألم او اللذة, بالحزن او السعادة, بالحب أو الكره ..
الله لا يشعر باي مشاعر من تلك التي نحسها لانه إله عظيم منزه عن المشاعر. و لكني لا أعرف ما هو وجه العظمة في أن يكون المرء إلها متبلد الحس. هناك مثل مصري يقول أن الإحساس نعمة.
في الواقع أنا اعتقد أن تبلد الحس هو احد أوجه القصور الشنيعة في الألوهية. يعني أنا لا أفهم كيف يكون الله أعظم من أي إنسان رغم انه لا يشعر باللذة التي يشعر بها من يمارس الجنس مثلا او بالسعادة التي يشعر بها كل عاشق يحب معشوقه. كيف يكون الله عظيما و هو منزه عن الشعور بالراحة لانه لا يشعر بالتعب أصلا ؟!!
بهذا المعنى فالله ليس إنسانا و لكن لأنه بلا أي نوع من المشاعر فهو أقل من الحيوان الذي يشعر باللذة و الألم على الأقل و إن كان لا يملك المشاعر الإنسانية السامية. إن الإله المنزه عن الشعور و الإحساس لهو مثل الجماد, مثل قطعة حجارة ملقاة على قارعة الطريق أو كرسي متروك بإهمال, فأحاسيسنا هي ما يعطي لحياتنا طعم و معنى و مشاعرنا هي التي تشعرنا بمرور الأيام.
حتى الجنة التي خلقت خصيصا لكي يشعر الأتقياء فيها باللذة و السعادة بعد الموت, فسواء كانت حديقة كبيرة ملآنة بالنساء الجميلات و الخمر أم كانت ملكوت روحاني فإن مشاعر اللذة و السعادة هي العناصر الأساسية للوجود في تلك الاماكن المباركة و على النقيض قمة الألم و الحزن في جهنم. لكن أين الله من كل هذا ؟ كيف يعرف معنى السعادة أو الحزن, اللذة او الألم إن لم يكن قادرا على الشعور أصلا ؟
كيف يستطيع الله ان يعد الإنسان بالسعادة و هو لا يشعر بها هو نفسه ؟ اليس فاقد الشيء لا يعطيه ؟
ألهذا يريد ان يحرم الناس من السعادة في الدنيا لأنه إله حاقد غيور ؟ لا, حتى تلك المشاعر لا يشعر بها.
ياللسخرية, إن الله المحروم من السعادة يعد الناس بالسعادة مع إنه متبلد الحس مثل الأصنام التي يضطهدها و يامر بتحطيمها, لذلك فهو بالتأكيد أقل شأنا من الإنسان الحر السعيد.

(4)    الله ارستقراطي و الإنسان عصامي

منذ الازل و الله كائن جبار خارق قادر على كل شيء و لا يستعصى عليه أمر. نستطيع ان نعبر عن حال الله انه مولود و في فمه ملعقة من ذهب. فهو مرفه و مرتاح لا يتعب في الحصول على شيء, مدلل لاقصى حد, حوله الملائكة و الخدم و الحشم و العبيد ينافقونه و يخدمونه و يرفهون عنه, شخص تافه لا يعمل بل يحيا على أملاكه و بقدراته الخارقة, يامر فيجاب, يتمنى فيتحقق.
أما الإنسان المجتهد فيسعى في الأرض من اجل لقمة العيش, يحفر في الصخر لكي يعيش يوما آخر, يكد و يتعب في بيئة قاسية (خلقها إله مرفه لا يعرف معنى التعب) بل إنه كذلك يصلي و يصوم و يحاول إرضاء هذا الإله المدلل عن طريق طقوس غبية بلا معنى و يسعى لتخطي التجارب و الألعاب القاسية التي يضعها الله للإنسان في حياته.
و فوق كل ذلك فإن الإنسان بكفاحه و نضاله في الحياة إستطاع ان يحسن من أحواله المعيشية ليكون مرفها أكثر و مرتاحا اكثر عن اجداده الذين عاشوا في العصور القديمة, فلقد راكم الثروات و أبدع الكثير من التقنيات التي تسهل حياته و تزيد من قدراته بل لقد إستطاع أن يطيل من متوسط عمره بضع سنوات. يعني صحيح ان الله قوي و قادر, و لا يطلب شيئا إلا و حصل عليه دون تعب كأي طفل مدلل فاسد التربية, إلا أن الإنسان بتعبه و ذكاؤه و إجتهاده إستطاع ان يصنع نفسه بنفسه و أن يطور من حاله و يغير حياته و معيشته نحو الأفضل.
يعني انا واثق أن هذا الإله الأرستقراطي الناعم, الحي بلا عمل أو هدف, لا يستطيع أن يحيا يوم واحد كأي إنسان عادي بدون قدراته الخارقة و ملائكته التي تخدمه. فهو كائن أرستقراطي مدلل لا يستطيع أن يعمل بيديه طالما انه قد إعتاد ان يامر فيطاع و على راي المثل المصري : الفاضي يعمل قاضي.
أما الإنسان فهو الاجدر بالألوهية و الأحق بالعظمة لأنه عصامي و ناجح يبني نفسه بنفسه و يطور من حياته كل يوم, هو افضل من الله و اعظم لانه يتعب و يكافح و يحقق أمانيه بيديه.

الله مات, فليحيا الإنسان (جزء 5)

(7) الألوهية ضد الحرية


يعتقد معظم المؤمنين بالألوهية نظريا بحرية الإنسان في الإختيار و هو الشيء الذي يبرر مجازاة الإله للإنسان في يوم الدينونة و محاسبته على تصرفاته و سلوكه, غير أن طبيعة الإيمان بالألوهية تتطلب الإيمان بإرادة الإله و ليس إرادة الإنسان, فالإله هو الذي يريد و إرادته نافذه بينما الإنسان خاضع لقدره و مستسلم لمصيره الذي لا يملك تغييره بما لا يخالف إرادة الإله.
و لكن الإيمان بالقضاء و القدر (كما في الإسلام) أو الإيمان بخطة الله التي أعدها للإنسان (كما في المسيحية) يعتبر ضد الحرية و ضد تقرير المصير. فمثلا الإله في الإسلام يهدي من يشاء و يضل من يشاء و في المسيحية أيضا يغلظ الرب قلب فرعون لو شاء و يحنن قلبه لو شاء كما في الخروج – إصحاح 9, فالإنسان بحسب الأديان مسير و لو إدعى رجال الدين غير ذلك.
غير إن أسوأ ما في الألوهية هو أنها تعني عبودية الإنسان للإله, فالإيمان بأي دين يلزم الإنسان أن يكون عبد عند الله خاضع له و يأتمر بأمره. إن من يؤمنون بوجود إله لا يكتفون بان هناك كائن حي عاقل إسمه الله (مثلا) و هذا الكائن هو الذي يفسر الوجود و فقط, بل و لا يدعون أن الله يسعى لصداقة و حب الإنسان بل إن الإله يسعى لقهر الإنسان بإستعباده و حرمانه من حريته. و كما قال غوتز في مسرحية “الشيطان و الله” لجان بول سارتر : إذا كان الله موجودا فالإنسان عدم, و مادام الله يلغي وجود الإنسان وجب إذا إلغاء الله ليوجد الإنسان.
هذا يعني ان الإنسان الذي يسعى للحرية لابد أن يثور على الآلهة (أيا كانت) لابد أن يلقي عن ظهره الندم (إختياره حريته و تقرير مصيره بنفسه), لابد أن ينبذ الشعور بالذنب (لسلوكه كيفما يريد و رفضه وصاية و أبوة الإله), لابد ان يلفظ الخوف (من الإله و من جحيمه و غضبه). لابد ان يكون حريته و يعيش وجوده و يجحد العبودية لأيا كان و لو كان إلها جبارا.
إن حرية الإنسان تعني مسئوليته عن وجوده و حياته و مجتمعه و عالمه, مسئولية كبيرة كان يتحملها إله باكمله و لكنها تنتقل للإنسان بمجرد مطالبته بالحرية و حصوله عليها, لذلك فإن على الإنسان ان يتحمل نتيجة ما يفعل في شجاعة و أمل ليكون حرا, عليه أن يخوض في الحياة بقوة الإله و بإرادة من فولاذ لا يصدأ. و لكن الإنسان يضعف أحيانا فهو قد يتهرب من مسئوليته تجاه نفسه و تجاه عالمه, إن الإنسان عندما لا يريد ان يعيش حريته و يتحمل المسئولية ينسحب و يخترع له إلها يحمله كافة المسئولية و ينصاع لأوامره هو بحيث لا يعذبه إختياره أو يقلقه. لأن الحرية في معظم الأحيان شيء لا يسر و لا يبهج, على العكس إنها تلهب الإنسان بإحساس الوحدة و تقضه بإحساس الإنعزال. عندما يحس أي إنسان بحريته قد يرتجف قلبه و تنخلع مفاصله و يحس بأعصابه تكاد تعجزه عن الحركة. إن القلق يرهبه و يكاد يقتله. لأنه لا يعرف ماذا يختار, و لا ماذا سيكون مصير إختياره. لكن الإختيار الحقيقي هو الإختيار الذي يمنح صاحبه مزيدا من الحرية له و للآخرين.
عندما يبدأ إحساس الناس بالحرية يبدأ الطغيان في الإنهيار فالإنسان الحر لا ينصاع و لا يخضع و لا يدخل قوالب. إنه يفكر و يعيش و يجرب بنفسه و لنفسه و للآخرين. إنه حر و هو يحس بحرية الإختيار كاملة لديه فيختار و هو مسئول عن كل قرار يتخذه من أجل ذلك.
لكن الآلهة لا تريد الحرية للإنسان, الآلهة تريد أن تحصره في الشعور بالخوف و العجز و التفاهة, تريد أن تجعله أسيرا للإحساس بالذنب و الإثم و الدونية بدلا من أن يحيا حرا و يتعلم من تجاربه و يصمم على تحقيق إرادته ضاربا عرض الحائط بإرادة الآلهة.
و لهذا فإن الإنسان الحر سرعان ما يثور على الآلهة او بالأحرى فكرة الآلهة. فالإله لو كان موجودا سيكون إله الأحجار و النجوم لكن ليس إله البشر الأحرار. إله على نفسه حتى و ليس على الإنسان. لو كان موجودا سيكون إله مع إيقاف التنفيذ.
لو كان موجودا يكون قد أخطأ لو خلق الإنسان حرا فهو قد خلقه بإرادة حرة ثم يريده ان يصير عبدا بإختياره, و تلك مغالطة شنيعة. لكن الإنسان البطل هو الذي يجعل الحرية ترتد إلي نحر الإله فلا يستطيع بعد ذلك أن يتحكم في الإنسان.
إن الإنسان بعد أن يصير حرا لا يمكن أن يعود عبدا لاحد و لا ينتسب لأحد بل يكون كالإله في
إرادته المنفردة و إستقلاله و شجاعته. و كما تشهد التوراة نفسها بان الإنسان حين عصى الله قد صار مثله حرا و عارفا الخير و الشر :
و قال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير و الشر (تكوين 3 : 22)
فالإنسان حين يعصي الإله بحريته يكون ندا له بل و أعظم منه لان الإنسان هنا لا يعيش حجمه و قدراته بل يتعالى على نفسه و يحاول أن يتجاوز ذاته لذلك تصير معصيته بطولة بينما الإله يعجز عن أن يكون بطلا لانه أقوى الكائنات كافة.
إنها الحرية التي تجعل الإنسان العادي بطلا بقدر ما يكون حرا, لكن ليست المعصية مع الخوف هي التي تجعل الإنسان بطلا بل المعصية بشجاعة و تبجح و عناد مع القوة الأعظم, طبعا لو كان الإله موجودا.
لكن مادام الإله غير موجود فإن بطولة الإنسان تكون في صراعه مع الطبيعة و ليس مع الإله, لان الإله معدوم أما الطبيعة فموجوده. لذلك فإن كفاح الإنسان ضد قوى الطبيعة هي أكبر بطولة ممكنة للإنسان و كفاح الإنسان ضد مبدأ الألوهية هو كفاح أقل بطولة و كفاح الإنسان ضد خرافات الأديان هي بطولة أقل من ذلك.
يعني الواحد لا يجب أن يتحسر على موت الإله لإنعدام إمكانية معصيته و الدخول معه في صراع بطولي لأن الطبيعة و الحياة توفران للإنسان مثل تلك الإمكانية في أن يصير بطلا للحرية ..


(8) الإلحاد و الإنسانية

طالما أثبتنا ان وجود الله هو ضد العقل و المنطق و ضد حرية الإنسان و مصلحته إذن فلا مفر من الإلحاد. لان الألوهية بحسب المعنى الشائع هي ضد الإنسان و الإنسانية على طول الخط, بينما الإلحاد يعتبر دعامة أساسية للإنسانية و الفكر الإنساني.
بوجه عام فإن معظم الناس ألوهيين نظريا بمعنى أنهم يؤمنون بوجود إله او آلهة و لكنهم ملحدين عمليا حتى و إن لم يعلنوها صراحة, فمعظم الناس يعيشون الحياة بعلمانية دون التفكير في الدين و التعصب و ما إلي ذلك و لكن هذا الإلحاد العملي يعتبر عابث لانه يلعب على كل الحبال.
إن الإلحاد الحقيقي نوعان : إلحاد عقلاني و إلحاد إرادي.
الإلحاد العقلاني هو موقف يرفض الألوهية بالعقل فقط فهو لا يجد من الدلائل ما يكفي لتأكيد وجود إله او آلهة. هو موقف يبحث عن حقيقة وجود إله من عدمه فيتبين أن الآلهة غير موجودة.
أما الإلحاد الإرادي فهو رفض وجود الآلهة بالإرادة فقط و ليس بالعقل يعني ليس إنتصارا للمنطق و العلم بقدر ما هو إنتصار لحرية الإنسان و مصلحته. الملحد بإرادته يرفض الله حتى و لو كان الله موجودا فعلا. فهو اقرب للنزعة الإستقلالية من النزعة العقلانية.
و أنا اعتقد أن الإلحاد في المذهب الإنساني هو إلحاد عقلاني و إرادي في ذات الوقت. فنزعة رفض الألوهية التي في المذهب الإنساني هي نزعة تنتصر لعقل الإنسان و حريته كليهما. في المذهب الإنساني نحيا معتمدين على العقل في حياتنا, لا نؤمن بعقيدة بلا دليل مؤكد و علمي على صحتها. بالإضافة لان المذهب الإنساني ينتصر لحرية الإنسان و مصلحته بقدر ما ينتصر للحقيقة الموضوعية المجردة.
يعني اتصور أنه لو كان الله موجودا فعلا (و هذا فرض مستحيل) كان الإنسانيون سيعترفون بوجود الله إحقاقا للحق و إعترافا بالحقيقة و لكنهم كانوا سيعلنون الإستقلال عنه في ذات الوقت.
لان الإنسانية هي إخراج الآلهة من المعادلة و التركيز على الإنسان و عقل الإنسان و حرية الإنسان فقط و هذا يؤدي إلي الإستقلال عن الله سواء كان موجودا أم لا. ففي مسألة الخضوع و العبودية لله لا يوجد فارق بين وجود الله أو عدمه بالنسبة للإنسانيين, لانه لا خضوع لله في كل الحالات.
أشبه حركة الإستقلال عن الله بحركة عدم الإنحياز التي قادتها الهند و مصر و يوغوسلافيا و اندونسيا في اوج فترة الحرب الباردة حيث كانت الدول تقسم للمعسكر الشرقي و حلف وارسو أو المعسكر الغربي و حلف الناتو و لا خيار ثالث و لكن بعض الدول النامية رفضت الدوران في فلك هذا القطب او ذاك و قررت أنها حركة مستقلة غير منحازة لأي إتجاه.
بنفس الطريقة يكون الصراع بين الله و الشيطان في الدراما الدينية, فالإنسان إما أن يكون منحازا لله أو منحازا للشيطان و لا خيار ثالث, و بغض النظر عن أن كلاهما خرافة فإنني أعتقد أن المذهب الإنساني يشكل حركة عدم إنحياز لله أو للشيطان بل هي حركة إستقلال و إنحياز كامل للإنسان.
فإن الإلحاد الإنساني هو إلحاد إرادي يرفض وجود الآلهة بالإرادة بقدر ما يحاجج بالعقل و العلم على عدم وجودهما. و أنا سعيد بصراحة لان الإلحاد الإنساني يتبنى الموقفين العقلاني و الإرادي لأنهما يكملان بعضهما البعض.
لأن الإلحاد العقلاني وحده هو إلحاد سلبي فهو لا يعبأ إذا كان الله موجودا ام لا, بل إن كل ما يهتم به هو الحقيقة الموضوعية (برغم أهميتها) أيا كانت تبعات تلك الحقيقة. فلا يهتم هذا الإلحاد إذا كان الله سيستعبد الناس أو ينزع عنهم الحرية أو يكونون كالعرائس في يده لو كان موجودا. بل إن الملحد العقلاني فقط لا يملك إلا أن يقبل وجود الله لو تم إقناعه بذلك عن طريق العقل و المنطق و العلم.
أنا لا أنكر أن العقل و العلم هما الوسائل الوحيدة للمعرفة و لكن المعرفة ليست كل شيء, هناك الحرية أيضا .. فسواء كان الله موجودا ام لا أتصور أنه يجب أن يكون لنا موقف إرادي منه, يعني هل نريده أم لا بنفس الطريقة التي نسال بها هل هو موجود حقا أم لا.
لكن الملحد العقلاني لا يريد أن يكون الله موجودا و لا يريده أن يكون معدوما بل هو يريد أن يعرف الحقيقة فقط سواء بالإيجاب أو بالسلب و بحثه عن الحقيقة قاده للإعتقاد بأن الآلهة غير موجودة.
أما الملحد الإرادي فقط فهو غالبا ملحد غير مثقف و لا يسعى للمعرفة او للحقيقة الموضوعية كما هي. بل هو فقط لا يطيق الله و يشعر بوطأته على حريته و لكنه لا يعرف شيئا عن حقيقة وجوده من عدمه و لسان حاله مثل الشاعر الفرنسي بريفير :
أبانا الذي في السماوات, إبق فيها.
إنه رفض لله باكثر مما هو نفي لوجوده, موقف إرادي باكثر مما هو عملية عقلية صرفة.
أما الإلحاد الإنساني فهو إندماج صحي بين الإلحاد العقلاني و الإلحاد الإرادي.
هو رفض إرادي لوجود الله و نفي عقلاني لوجوده. رفض الخضوع و العبودية لله و نفي لإمكانية تحقق الألوهية أصلا. هنا الإنسان يهتم بالحقيقة كما يهتم بالحرية بغير إنحياز لاحداهما دون الأخرى. و هكذا يثبت المذهب الإنساني جدارته و إستحقاقه ليكون النظام العقائدي الأفضل على مستوى العالم لانه لا يكتفي بسلبية الإلحاد عموما بل يضع منهجا للحياة و إيجابية في الإلحاد.

الله مات, فليحيا الإنسان (جزء 4)

(6) الألوهية ضد العقل


الألوهية كمبدأ هي ان يكون هناك إله أيا كانت صفاته, أما عن ماهية هذا الإله فلنقل أنه : القوة المطلقة الواعية الوحيدة الخالقة للوجود المادي.
التعبير غامض و لا يغني او يسمن من جوع لكنه اقصى ما يمكن الحصول عليه, يتبقى إذن البحث في إمكانية تحقق الألوهية من حيث المبدأ. و هل يمكن ان يكون هناك إله ام يستحيل وجوده على الإطلاق أم إن الأجابة النموذجية هي : لا آدري.
غير انني ادعي أن المسألة سهلة و عقلانية للغاية و إن هناك من المشاكل المنطقية ما يجعل وجود الإله مستحيلا أو على الأقل صعب التصديق و ذلك لعدة أسباب :

1- الجهل بالإله

قلنا إفتراضيا أن الإله هو : القوة المطلقة الواعية الوحيدة الخالقة للوجود المادي, غير إن الناس و الأديان لم يتفقوا على هذا التعريف بالإله و لا على أي تعريف آخر, فالأديان لم تتفق على صفات الإله بل و حتى لم يعرفوه تعريفا دقيقا ..
البوذية مثلا تقول أن الإله قوة عمياء غير عاقلة ..
وليام جيمس صاحب مذهب البراجماتية يرى أن الإله أكبر من الإنسان و أقدر على معونته من سائر الموجودات لكن لا يلزم أن يكون قوة مطلقة أو غير متناهية أو قوة واحدة منفردة ..
الفيلسوف الإسترالي صموئيل الإسكندر يعتبر أن الإله متطور من المادة و لم يخلقها.
لذلك فإن لفظة “إله” تلك قد إتسعت و تشعبت معانيها لتصبح موازية لأي شيء, فهي تعبر عن اشكال و انواع مختلفة من الآلهة هي تقريبا بعدد كل إنسان يؤمن بوجود آلهة.
و حتى في الأديان التوحيدية الإله علامة إستفهام كبيرة, نجد إختلافا بين الإله الواحد الفرد الصمد في الإسلام و الإله الواحد مثلث الأقانيم في المسيحية. و يبدو إن الإله في الإسلام محدود بمكان لأنه يجلس على عرش وسع السماوات و الأرض بينما في المسيحية هو غير محدود بمكان. في المسيحية الله روح بسيط بدون أي ذكر لماهية الروح بينما ماهية الله مسكوت عنها تماما في الإسلام.
ما احاول فعله هنا هو ان استخلص معنى لكلمة “إله” يتفق عليه الجميع دون جدوى, و لو كان الإله موجودا حقا فيجب أن يكون مشهودا له بالعقل و الطبيعة. يجب أن تكون ماهيته معروفة على الأقل لأنه ليس ظاهرة عمياء مثل ظاهرة الجاذبية بل هو كائن من المفترض انه موجود و حي و له آثار.
يعني ما هو الإله تحديدا ؟
- هل هناك إله موجود ؟ هل هو موجود وجود مادي مثلما يوجد الإنسان و الحيوان و الشجر ؟
- هل له شكل ؟ هل له حجم ؟ هل يشغل حيزا من فراغ ؟ هل هو ماليء الكل ؟
- هل الإله حي حتى الآن ؟ هل هو حي مثل الإنسان و الحيوان و الأسماك ؟
- من أين اتى الإله و من الذي اوجده ؟
- هل الإله ازلي أبدي ام له بداية و نهاية ؟ ألا يموت أبدا ؟ كيف يكون حي و لا يموت ؟
- هل الإله خالق المادة ام مخلوق من المادة ؟
- هل الإله مطلق أم نسبي ؟
- هل الإله واحد ام اكثر ؟ و لو كان واحدا, هل وحدته مفردة أم مثلثة أم مربعة ؟
- هل الإله واعي و يعقل ام هو بلا وعي ؟
- هل الإله ذات ام معنى أم طاقة أم قوة أم مادة ؟

عموما أيا كانت الإجابات التي أجابتها الأديان او لم تجبها فهي مجرد تأملات بلا قيمة لأنها بلا دليل.
يعني هناك من يقول أنه روح و هناك من يقول انه مادي و هناك من يسكت تماما.
هناك من يقول أنه متجسد و له شكل و هناك من يستنكر و يقول أن الإله لا شكل له, و كلاهما بلا دليل.
هناك من يقول انه في السماء السابعة يجلس على عرش هو وسع السماوات و الأرض و هناك من يقول انه غير محدود بمكان و انه ماليء الكل.
هناك من يقول أن الآلهة تتزوج و تنجب و هناك من يقول لا صاحبة و لا ولد و لا أب ولا ام.
من الصادق و من الكاذب ؟ بل من يملك الدليل على أي شيء مما يقول ؟
طبعا لا احد ..
فمن الواضح إن الإله خرافة يفتي فيها كل من هب و دب بلا دليل, سواء موسى أو المسيح او محمد او غيرهم كثير فالكل يتكلم بأشياء صعبة التخيل بلا أي دليل.

2- الإله ميتافيزيقي

بالطبع مع إن الإله مجهول إلا ان هناك بعض الاشخاص و الاديان الذين يصفونه بصفات معينة, منها مثلا إن الإله روح أو إنه يفوق المادة بوجه عام.
و الواقع إن فكرة وجود إله بهذة الصورة هي فكرة تتجاوز العقل و المنطق و الفطرة الطبيعية للإنسان. لإن فكرة الألوهية لا تكتفي بوجود الآلهة فقط بل إنها تعني وجود عالم كامل ميتافيزيقي مواز لعالمنا الفيزيقي و يتضمن وجود الروح و خلودها و وجود الجنة و النار و الملائكة و الشياطين و الجن و العفاريت و الأشباح و المعجزات و الخوارق.
إن فكرة وجود إله غير مرئي يسيطر على عالمنا مبررة بوجود عالم كامل غير مادي يفوق الطبيعة و قدرة العقل البشري على الإدراك. عالم يتجاوز نطاق المحسوس و المعقول, عالم يفوق التجربة و يقع فيما وراء الطبيعة و بالتالي إذا كان هذا الوجود فائق للطبيعة المادية فلن نستطيع ان نعقله او نحسه او نتاكد منه بأي وسيلة, فهو وجود يتجاوز العقل و الإحساس و يتجاوز القدرة على التصديق.
و لهذا حين سئل محمد عن الروح رد بإستنزال آية قرآنية هي : و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
تلك الآية تعني الجهل و حتمية الجهل بالروح و كل ما هو فائق للطبيعة لأنها غير قابلة للشرح او التفسير.
المشكلة إن الفارق بين الميتافيزيقيا و الخرافة ربما لا يكون واضحا لتلك الدرجة, فكل شخصية خيالية إخترعها الإنسان تعتبر شخصية فائقة للطبيعة إبتداءا من الجن و العفاريت و ليس إنتهاءا بالكونت دراكيولا و المذؤوبين.
فلا يمكن أبدا ان نعتمد على حكايات خيالية و قصص غريبة لكي نؤسس عليها إيمان يستحيل التأكد من صحته. إن الميتافيزيقيا تعجيز للعقل و تهميش للحياة المادية و إحتقار للطبيعة و الواقع. و لان الطبيعة متنوعة جدا و عميقة جدا و لأننا لم نكتشفها كلها بعد و ربما لن نحتويها في معارفنا كلها أبدا فلا توجد حاجة اصلا لتجاوز الطبيعة عن طريق إيمان بأشخاص و حوادث تفوق الطبيعة.
إن الطبيعة غنية غنية و نحن في صراعنا معها قد حققنا نجاحات كبيرة بما يسمح بالتصالح معها, يعني لا ضرورة للإغراق في الخيال و أحلام اليقظة عن الآلهة و الملائكة و الشياطين من أجل تجاهل وجود حقيقي و واقع فعلا.
ما الحاجة لتخيل إله يتحكم في الطبيعة إذا كان الإنسان يتحكم فيها فعلا. ما الحاجة لإختراع كائنات و ظواهر تفوق الطبيعة إذا كانت الطبيعة غنية بما فيه الكفاية. إن إستبعاد الميتافيزيقيا هو حتمي لأنه إستبعاد للإيمان الأعمى الغير قائم على دليل لأن الميتافيزيقيا هي أقوال فارغة بلا دليل و لا يمكن الحصول على دليل مادي او طبيعي يثبتها لأنها ببساطة تفوق المادة و الطبيعة.
و لان الإيمان بما يفوق الطبيعة يفوق قدرة الإنسان على التأكد و التثبت نجد المسيح يقول للتلاميذ حين لم يصدق توما انه قام من الاموات : طوبى لمن آمنوا و لم يروا.
أي طوبى لمن آمن دون ان يتأكد مما يؤمن به لأن التاكد من وجود أماكن او حوادث او أشخاص ميتافيزيقية هو ضرب من المستحيل. و كيف يمكن لأي شخص عاقل أن يصدق أن الميت يقوم من الموت بعد أن مات فعلا, و كيف يمكن لأي شخص عاقل أن يصدق وجود المعجزات و الخوارق بجملتها.
لذلك فإن إستبعاد الميتافيزيقيا عموما و الألوهية ضمنيا يعتبر امر بديهي لكل من يمجد الطبيعة و الواقع و العقل.

3- الإله متناقض منطقيا


هناك مجموعة من المتناقضات قرأت عنها و اجدها في الألوهية و التي تجعل التصديق بوجوده صعبا للغاية. و طبعا التناقض المنطقي يلزمني بإنكار وجود الإله لأنه لا يمكن للإنسان ان يؤمن باي شيء بالإستغناء عن المنطق و عن الدليل. و من تلك التناقضات :

التناقض الأول : لا يمكن ان يكون الإله ذات مطلقة Absolute Person .


فهو إما ذات و إما مطلق و لا يمكن ان يجمع بين هذين الضدين. إن الكمال المطلق معنى من المعاني يتعارض مع الذاتية لأن الذاتية لا تكون بغير حدود.
فالإله لو كان موجودا وجودا مطلقا أو كان مطلقا باي صورة من الصور لا يمكن ان تكون له أيضا ذات واعية بل يكون غير شاعر بنفسه و ليس صاحب انا تتشخص في كيان.
يعني لو كان الإله أزلي أبدي, بلا بداية أو نهاية فلا يمكن ان يكون إلا الزمان نفسه و الزمان لا عقل له و لا ذات.
و لو كان الإله يملأ كل الأماكن فهذا يعني أنه هو و المكان واحد. و المكان لا عقل له و لا ذات.
و لو كان الإله هو الزمان نفسه و المكان كله أي الزمكان بشكل مطلق فهذا يعني انه الوجود ذاته و الوجود ليس ذاتا و لا يعقل.
أيضا لا يمكن ان يكون الإله خيرا بصورة مطلقة لنفس الأسباب و هي أن الإله وقتها سيكون معنى و ليس ذاتا عاقلة لان الإطلاق ضد الذاتية و الذاتية ضد الإطلاق.
و هذا يضطرنا للقول أن الإله لو كان موجودا فلا يمكن ان يكون مطلقا أو كاملا بل يجب أن يكون نسبيا و ناقصا كالبشر و إما أن يكون مطلقا و كاملا و لكنه بلا ذات و لا يعقل.

التناقض الثاني : لا يمكن ان يكون الإله كلي الصلاح omnibenevolent و مخيرا في ذات الوقت.


الإنسان كائن خير لانه يختار بوعي فعل الخير في بعض الاحيان. و لو كان الإله مثل الإنسان خيرا في بعض الاحيان و شريرا في احيان اخرى لكان وجوده معقولا. لكن لو كان الإله كلي الصلاح بمعنى أنه كامل لا يخطئ أبدا فهذا يعني انه خاضع لطبيعته و انه لا يختار فعل الخير.
يعني الحيوان لا يمكن ان يكون شريرا لو إفترس حيوانا آخر لان تلك هي طبيعته التي تتحكم فيه, فالحيوان بلا وعي او إرادة و هكذا الإله لا يحسب خيرا لو كانت طبيعته تحتم عليه فعل الخير و ليس بإراداته.
إن الطبيعة عمياء و لا تعرف معاني مثل الخير و الشر و الإرادة الحرة فقط هي التي تختار الخير او تختار الشر فإذا كان الإله قادر و يمكن ان يختار الشر و أن يخطئ فهو مخير و إن لم يكن كان مسيرا لطبيعته.
فلا يكون الكائن الحي مخيرا لو كانت طبيعته هي التي تتحكم فيه سواء بالخير او بالشر بل يكون مخيرا حين يقرر بملأ إرادته أي إختيار يختار. و هكذا يكون الإله مسيرا كالحيوان لفعل الخير وفقا لطبيعته الخيرة.
فإما ان يكون الإله خيرا بشكل مطلق و لكنه مسير بطبيعته أو يكون خيرا أحيانا و شريرا أحيانا أخرى يفعل الصواب أحيانا و يخطيء أحيانا اخرى و في تلك الحالة يكون مخيرا.

التناقض الثالث : لا يمكن ان يكون الإله كلي القدرة omnipotent و كلي الصلاح omnibenevolent في ذات الوقت


و ذلك بسبب وجود الشر في العالم حيث ان وجود الشر يتعارض مع وجود الإله كلي القدرة و كلي الصلاح.
هناك اربع إحتمالات لا غير في موقف الإله من الشر في العالم :
1- أن الإله قادر على التخلص من الشر و يريد التخلص منه فعلا.
2- ان الإله قادر على التخلص من الشر و لكنه لا يريد التخلص منه.
3- أن الإله غير قادر على التخلص من الشر و لكنه يريد التخلص منه.
4- ان الإله غير قادر على التخلص من الشر و هو لا يريد ذلك.

في الحالة الاولى الإله قادر على كل شيء و قادر على التخلص من الشر و هو يريد ذلك إذن فهو إله خير. و لكن هذا ليس الواقع لان العالم مليء بالشرور و الآلام و الكوارث التي يندى لها جبين الإنسانية.
في الحالة الثانية هو قادر و لكنه لا يريد و هكذا هو إله شرير لا تصح صداقته فضلا عن عبادته.
في الحالة الثالثة هو غير قادر و يريد التخلص من الشر و بالتالي هو خاضع لقوانين الطبيعة و الظروف الواقعية كالبشر و هذا لا يجعله إلها أصلا.
في الحالة الرابعة هو غير قادر و لا يريد و هو بهذا قد إستكمل عجزه بشره ليصير مسخا بلا ضمير.
و هذا يضطرنا للقول أن الإله اما غير قادر و إما شرير.

التناقض الرابع : لا يمكن ان يكون الإله كلي القدرة omnipotent و كلي العلم omniscient في ذات الوقت

هل يقدر الله على تغيير أمر يعلم وقوعه في المستقبل؟
فإذا كان الجواب بـ(نعم) : فالله ليس مطلق العلم
وإذا كان الجواب بـ(لا) : فالله ليس مطلق القدرة

مثال : الله يعلم بعلمه المطلق أن نيزكاً سيرتطم بالأرض غداً ، فهل يقدر الله بقدرته المطلقة على تغيير ذلك؟
إذا قدر على تغيير ذلك فهو ليس مطلق العلم
وإذا لم يقدر فهو ليس مطلق القدرة

ومن هنا يثبت لنا أن الصفات البشرية بطبيعتها تبدأ في التداخل والتناقض إذا ما وضعت على المحور المطلق

التناقض الخامس : الإله لا يمكن أن يتخطى المنطق

مثال :
إذا كان الإله قادرا على كل شيء, هل يمكن أن يخلق جبلا أثقل من قدرته على الحمل.
1- إذا كان يستطيع خلق مثل هذا الجبل فهناك ما لا يستطيع فعله, و هو حمل الجبل.
2- إذا لم يكن يستطيع خلق مثل هذا الجبل فهو أيضا ليس كلي القدرة.

مثال آخر :
هل يستطيع الإله خلق إله آخر أقوى منه ؟
1- إذا كان يستطيع فهو ليس كلي القدرة لأن الإله الآخر سيكون أقوى منه و أقدر.
2- إذا لم يكن يستطيع فهو ليس كلي القدرة أيضا.

و هكذا يجب أن يخضع الإله لقواعد المنطق فهو ليس منيعا إلي هذا الحد.

التناقض السادس : الإله لا يمكن ان يكون غير متغير و يكون خلق الوجود مع ذلك.

في الإيمان المسيحي الإله لا يتغير و لا يؤثر فيه أي شيء, طبعا هذا مسكوت عنه تماما في الإيمان الإسلامي لأن الناس تخشى من فهم الإله فهم خاطيء.
1- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فإن هذا الوجود قد تم خلقه بواسطة إله غير محدود.
2- الإله لا يمكن أن يكون لديه دوافع أو مؤثرات داخلية مثل الإحتياج و الرغبة و الجهل و المشاعر.
3- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فلم توجد أي مؤثرات خارجية على الإله قبل الخلق.
4- إذا كان الخلق الإلهي حقيقي, فلم يكن الإله مدفوعا بأي مؤثر خارجي قبل الخلق ( من 3 )
5- الإله قبل الخلق لم يكن يملك أي دوافع مؤثرة سواء داخلية او خارجية.
6- الإله ما كان يمكن أن يفعل أي شيء, و الخلق الإلهي ما كان ليحدث.

و هكذا إما أن يكون الإله متغيرا و لديه إحتياجات و دوافع داخلية تحركه ..
و إما أنه لم يخلق الوجود أبدا ..

في الإيمان المسيحي الله منزه عن الأغراض. فهو ذو كمال غير متناه و لا يمكن أن يتغير ليكون اكمل مما هو حيث انه كامل في جوهره و صفاته. فهو لا يزيد و لا ينقص في جودته و قدرته و رحمته و عدله و حكمته. و لا يمكن أن يغلط في أحكامه فيعود و يصلحها.
و بما انه يعلم كل ما يحدث في الكون فلا حاجة لتغيير رأيه أو تعديل رسومه و احكامه الإلهية.
و لقد قال الكتاب المقدس ان الله عديم التغير و التحول :
(( الذي ليس عنده تغيير و لا ظل دوران )) يعقوب 1 : 17
(( لاني انا الرب لا اتغير )) ملاخي 3 : 6

و هكذا فأن الإله قبل الخلق لم يكن يتغير من ذاته لانه لا يحتاج و لا يرغب و لا يشعر بمشاعر البشر.
و قبل الخلق لم توجد أشياء خارجية تؤثر في الإله فتجعله يرد عليها بأفعاله التي يعلمها منذ الأزل.
و بالتالي لا توجد مؤثرات داخلية : مثل الإحتياج و الرغبة و خلافه
و لا توجد مؤثرات خارجية : لان الكون لم يكن قد خلق بعد ..
و بالتالي يصعب القول ان الله خلق الكون.

قبل الخلق كان الله و الفراغ فإذا لم يكن الله يتغير من ذاته فلن يوجد ما يغيره و يجعله يخلق.
إذن فكيف خلق الله الكون مع أنه لا يتغير من ذاته ؟

التناقض السابع : الإله لا يمكن ان يكون كلي الصلاح omnibenevolent و يعلم كل شيء omniscient في نفس الوقت.

لأن الإله إذا كان يعلم كل شيء بما في ذلك المستقبل, إذن هو يعلم أن هناك من البشر الذين خلقهم سيذهبون إلي جهنم.
و هذا يعني أن الإله قد خلق بشرا لكي يحيوا مدة قصيرة على الأرض ثم يخلدوا في جهنم.
و هذا يعني أن الإله ليس كلي الصلاح.
و أستطيع صياغة التناقض في الشكل التالي :
1- الإله كلي المعرفة
2- الإله يعلم أنه سيخلق بشرا ليرميهم في جهنم.
3- الإله ليس كلي الصلاح.

4- الإله خفي


في الأزمان الغابرة كان الناس يتعبدون لتماثيل منحوتة أو مصنوعة من طين أو يتعبدون لقوى الطبيعة و الحيوانات الطيبة و المفترسة. كانت الآلهة ملموسة و واضحة فحين كان الناس يتعبدون لقرص الشمس كانوا يرون فيه عظمة و إجلال. لكن مع ظهور الأديان التي تحكي عن آلهة خفية تعيش معنا ولا نراها أصبحت الآلهة مجهولة و ميتافيزيقية و خفية دائما.
و لهذا كانت حجة إختفاء الآلهة هي من أقوى حجج الإلحاد, لان معنى إختفاء الإله أنه غير حاضر ببساطة و حتى لو كان موجودا, فالشيء الموجود و لكنه غير حاضر يكون وجوده لا معنى له و لا طائل من ورائه.
يعني مادام الإله مختفي فربما يكون قد مات أو يكون غير مهتم بالبشر و بعالمهم و هذا وارد بسبب الفارق الكبير بين الإله بقدراته و حكمته و مقامه العالي و بين البشر المساكين الضعفاء. مادام الإله مختفي فهو غير حاضر وسطنا و ليس منا و بالتالي فإن وجوده لا معنى له.
ثم إن إختفاء الإله هو سبب كافي للطعن في وجوده أصلا و في قدرته على الظهور و في إهتمامه بالبشر.
و إلا فلماذا لا يظهر نفسه لكل الناس مثل الشمس في وضح النهار ؟
لماذا لا يعلن عن نفسه لكل العالم ليريح و يستريح ؟
لماذا يترك الناس تضرب أخماسا في أسداس في محاولة فهم سبب إختفاء الإله ؟
هل هو إله خجول ؟ هل شكله قبيح ؟
ألا يستطيع الظهور ؟ ألا يحب الناس ؟
هل يخشى الصحفيين و وسائل الإعلام ؟
و هذا يجعلنا ننتقل إلي الأسئلة التالية الحتمية :
هل هو موجود أصلا ؟
و لو كان موجودا فلماذا هو ليس حاضرا معنا و وسطنا ؟
هل هو يهتم بنا ؟
ما معنى وجوده إن كان خفيا و غائبا بشكل دائم ؟

و هكذا تكون الألوهية هي ضد العقل لأن :

1- الإله مجهول و غير معرف

2- الإله ميتافيزيقي, يفوق الطبيعة و الواقع و العقل

3- الإله متناقض منطقيا

4- الإله خفي دائما